
حسن عابدين، ممثل عظيم، له حضور خاص يجعل أي مشاهد يشعر وكأنه يعرفه منذ زمن بعيد؛ وكأنه قريب، عم، أو حتى خال. بعيدًا عن المسرحيات الشهيرة مثل “عش المجانين”، أو الحوار الخالد مع سهير البابلي “مين اللي سرق مصر” في مسرحية “ع الرصيف”، فإن لعالم حسن عابدين جانب آخر أقل شهرة ولكنه بالغ الأهمية، مثل مسلسله الرائع “نهاية العالم ليست غدًا”، الذي لم يحظَ بالتقدير الكافي رغم أفكاره المبتكرة.
في الثمانينيات، صنع حسن عابدين ضجة كبيرة بإعلانه الشهير لشويبس، الذي تحوّل إلى ظاهرة في الشوارع، حيث كان الناس يقلدون إعلانه حرفيًا. تقاضى عن هذا الإعلان مليون جنيه، وهو رقم خيالي في تلك الفترة، يُقارن بما يمكن أن تحققه أربعون فيلمًا مجتمعة.
لكن وراء النجاح والشهرة، كان حسن عابدين يمر بأزمة نفسية واكتئاب شديد. أثناء تقديمه لمسرحية “عش المجانين”، شعر بأن النجاح وحده لا يملأ فراغه الداخلي. سافر لأداء العمرة، وعندما وقف أمام قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، حُرِم من الاقتراب على يد الحارس، فانهار بالبكاء وعاد إلى القاهرة متجهًا نحو الاعتزال، مكرسًا وقته للصلاة والهدوء.
تدخل صديقه الفنان إبراهيم الشامي، الذي نصحه بزيارة الشيخ محمد متولي الشعراوي، صديق الشامي. ولدى اللقاء الأول، استُقبل حسن بحفاوة غير متوقعة. استغرب حسن من معرفة الشيخ به رغم أنه ممثل، فأوضح الشعراوي: “لما أنت والناس الكويسة تبطلوا، هتسيبوا التلفزيون للناس الوحشة.. لازم تخليك وتقدن فن له رسالة”. هذه الكلمات كانت نقطة تحول، فأقنعته بالاستمرار في الفن ولكن بطريقة تعكس رسالة مجتمعية ودينية.
نتيجة ذلك، قدم حسن برنامج “نور الهدى”، الذي عالج مشاكل المجتمع من خلال دراما قصيرة، ثم يستضيف الشيخ الشعراوي ليعلق برأي الدين والشرع على الأحداث. شاركت فيه فنانات مثل ليلى طاهر وعفاف شعيب، وقد ظهرن بالحجاب، ليكون البرنامج نموذجًا للفن الهادف. رغم ذلك، توقف البرنامج بعد عرض أول ثلاث حلقات ولم يُعاد عرضه، ولا تزال الحلقات غير متوفرة.
كما خطط حسن والشعراوي وإبراهيم الشامي لإطلاق مشروع “المسرح الإسلامي”، لكن المشروع لم يُنفذ رغم الإمكانيات الكبيرة والفكرة الواعدة.
في مسرحية “بولوتيكا” بالإسكندرية، شعر حسن بتعب شديد وارتفاع الحرارة، فغادر إلى القاهرة حيث تم تشخيصه باللوكيميا. بعد قضاء نحو شهر في إنجلترا مع ابنه طارق، عاد إلى مصر، وتوفي في بني سويف في السادس من نوفمبر 1989، حيث صلّى عليه الشيخ الشعراوي إمامًا بالمصلين في جنازته، مؤكدًا على مكانته الروحية والفنية.
حسن عابدين ترك إرثًا فنيًا وإنسانيًا مميزًا، يجمع بين موهبة التمثيل وحس المسؤولية الاجتماعية والدينية، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة الجمهور، كفنان قريب من القلب والوجدان، يشبه أقاربك ويترك أثرًا لا يُنسى في الفن والمجتمع.





