توب ستوريخارجي

من «خطيب البيت» لنجم الشاشة… الرحلة الشاقة لكمال الشناوي نحو المجد الفني

وُلد كمال محمد علي الشناوي في شارع خيرت بحي السيدة زينب بالقاهرة، في السادس والعشرين من ديسمبر عام 1921، ليبدأ فصلًا مبكرًا من حياة ستنتهي بأن يصبح واحدًا من أهم نجوم الشاشة العربية. لم تكن طفولته الأولى واضحة المعالم في ذاكرته، فقد كان والده مهندسًا تفرض عليه وظيفته التنقل بين مدن القطر المختلفة، قبل أن يستقر به المقام في المنصورة طوال سنوات الدراسة الابتدائية.

 

يحكي الشناوي أنه سمع من أهله أكثر مما يتذكر بنفسه، إذ كانوا يطلقون عليه في طفولته لقب «خطيب البيت» و«التشريفاتي». كان الطفل الصغير يرحب بالزائرين، يعتلي مقعدًا مرتفعًا، ويلقي كلمات ترحيب لا يكاد السامعون يفهمونها، مصحوبة بإشارات تمثيلية تثير الضحك والتصفيق. غير أن هذه الهواية الطفولية تراجعت عندما دخل المدرسة، وبدأ الاهتمام بالدراسة يفرض نفسه.

 

في أوقات فراغه، وجد كمال الشناوي ملاذه في الفونوغراف والراديو، يستمع إلى محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، ويحاول تقليدهما. كان صوته رخيماً، وشهد له أساتذته بذلك، حتى قدموه في حفلات الغناء المدرسية. ومن هذه المرحلة، بدأت ملامح الموهبة تتبلور، وإن لم يكن صاحبها يدرك بعد إلى أين ستقوده.

 

يتذكر الشناوي واقعة لا ينساها من سنواته الأولى، حين كان في الصف الرابع الابتدائي، وأقامت المدرسة حفلتها السنوية. خلال البروفة النهائية، أساء إليه مدرس غليظ الطبع بكلمات قاسية، فغضب وانصرف إلى البيت. أيدته أسرته في غضبه، فارتدى البيجاما ونام. بعد دقائق، فوجئ بالمدرس نفسه يطرق باب البيت، ويجذبه إلى عربة حنطور كانت في الانتظار، مبررًا فعلته بأن وزير المعارف سيحضر الحفل. لم يُتح له تغيير ملابسه، فغنى على المسرح مرتديًا البيجاما، وأعجب وزير المعارف آنذاك محمد العشماوي بأدائه، وصافحه وأجلسه بجواره طوال الحفل.

 

بعد حصوله على الشهادة الابتدائية في المنصورة، التحق بمدرسة الإسماعيلية الثانوية، التي افتقرت إلى النشاط الفني، ما دفعه للانشغال بالمظاهرات الطلابية التي اجتاحت المدارس في تلك الفترة. ألقى خطبًا حماسية أهلته لزعامة الطلبة، لكنها سببت له متاعب مع أبيه وجده، فآثر الابتعاد عن السياسة، خاصة بعد انتقاله إلى مدرسة الخديو إسماعيل، التي كان نشاطها الفني متنفسه الحقيقي.

 

أنهى دراسته الثانوية، ووجد نفسه حائرًا في اختيار مستقبله. أراد الأب أن يلتحق بكلية الطب، لكنه رفض خوفًا من رؤية الدم، بينما أراد الجد المدرسة الحربية، فرفضها أيضًا. في النهاية، نفذ رغبته والتحق بمعهد الفنون الجميلة، حيث انشغل بالرسم، ومشاهدة أفلام السينما، وبدأ حلم التمثيل السينمائي يراوده، وإن ظل مترددًا في التقدم لأي مخرج.

 

كانت حياته العائلية مضطربة، خاصة مع جد قاسٍ في ظاهره، طيب في باطنه، لم يعرف الشناوي كيف يتعايش مع حدته، فكانت السينما متنفسه الوحيد. وبعد حصوله على دبلوم الفنون، ضغط الجد عليه للالتحاق بوظيفة حكومية، وهو ما لم يكن يرغب فيه. جاءت الفرصة عندما أعلنت وزارة المعارف عن افتتاح معهد للمعلمين، فتقدم رغم اعتراض الجد، واجتاز اختبارًا طريفًا كان محوره «الطربوش»، لينجح ويلتحق بالمعهد.

 

داخل المعهد، أسس فرقة تمثيلية، واستعان بأساتذة كبار مثل زكي طليمات وعباس فارس، اللذين تنبآ له بمستقبل باهر. عرض عليه طليمات الانضمام إلى الفرقة القومية، لكنه رفض بسبب خلاف على الأجر، مفضلًا عدم التشبث بالفرصة الأولى.

 

تنقل في وظائف التعليم، حتى انتهى به المطاف في أسيوط، حيث تعرّف على الشاعر عزيز أباظة، الذي دعمه فنيًا، وأيقن أن مكانه الحقيقي هو القاهرة. وبالفعل، انتقل إليها عام 1946، وهناك قادته الصدفة إلى المخرج نيازي مصطفى، الذي منحه أول فرصة سينمائية.

 

بعد انتظار طويل، وقف كمال الشناوي أمام الكاميرا لأول مرة في فيلم «غني حرب»، مقابل مائة جنيه. كان الفيلم بوابة المجد، ومنها انطلقت مسيرته، ليبدأ صعوده بثبات وصبر وإيمان، حتى أصبح أحد أعمدة السينما المصرية.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى