
تتجه العلاقات الاقتصادية بين مصر والسعودية إلى مرحلة جديدة من التكامل، بالتزامن مع زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة، في ظل النمو المتواصل للتبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، واتساع مجالات التعاون لتشمل الصناعة والطاقة والبنية التحتية واللوجستيات والسياحة.
وسجل حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية نحو 7.1 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 19.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما تتجاوز الاستثمارات السعودية القائمة في مصر 32 مليار دولار، بما يعكس اتساع نطاق الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
التجارة والاستثمار والطاقة في صدارة التعاون
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي إن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة تمثل دفعة جديدة للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، خاصة أن التعاون المصري السعودي لم يعد يقتصر على حركة التجارة، وإنما امتد بصورة أكبر إلى الاستثمارات والمشروعات المشتركة وقطاعات الطاقة والإنتاج.
وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية بلغ نحو 16 مليار دولار خلال عام 2024، بينما سجلت الصادرات المصرية إلى السوق السعودية نحو 1.8 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بما يعكس أهمية السوق السعودية بالنسبة للمنتجات المصرية.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة الاستثمارات المشتركة وإقامة مشروعات إنتاجية تستهدف السوقين والأسواق الإقليمية، بما يدعم تحول العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى نموذج أكثر استدامة للتكامل.
وأضاف أن مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية، باستثمارات تقترب من 1.8 مليار دولار وقدرة مستهدفة تصل إلى 3000 ميجاوات، يمثل نموذجًا للتعاون الذي يتجاوز التجارة إلى مشروعات البنية الأساسية والطاقة، ويفتح المجال أمام مزيد من الشراكات الاقتصادية.
الصناعة والتصدير واللوجستيات أبرز فرص التكامل
وقال أحمد إسماعيل صبرة، عضو لجنة الصناعة بمجلس النواب والأمين العام لجمعية المستثمرين بالمنطقة الصناعية، إن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة تؤكد عمق العلاقات المصرية السعودية، وتأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة والعالم تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة.
وأوضح أن العلاقات بين البلدين تجاوزت مفهوم العلاقات الثنائية التقليدية، وأصبحت ركيزة مهمة للاستقرار العربي والإقليمي، مشيرًا إلى أهمية انعكاس قوة العلاقات السياسية على المستوى الاقتصادي من خلال توسيع قاعدة الاستثمارات المشتركة وتعزيز التعاون بين القطاع الخاص في البلدين.
وأشار إلى أن مجالات الصناعة والتصدير والطاقة واللوجستيات والسياحة والأمن الغذائي تمثل فرصًا واسعة لتعميق التعاون، خاصة مع امتلاك مصر قاعدة صناعية كبيرة وموقعًا جغرافيًا يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للإنتاج والتصدير.
وفي المقابل، تمتلك السعودية إمكانات استثمارية كبيرة ورؤية طموحة لتنويع اقتصادها، وهو ما يوفر أرضية مناسبة لإقامة مشروعات مشتركة ذات طابع إنتاجي وتصديري، تستفيد من الإمكانات المتاحة في البلدين.
وأكد صبرة أن التكامل الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى نموذج عملي للتعاون العربي، بحيث تستفيد الاستثمارات السعودية من الفرص المتاحة في السوق المصرية، بينما تستفيد الشركات المصرية من الفرص التي توفرها السوق السعودية والمشروعات التنموية الكبرى في المملكة.
وشدد على أهمية إزالة المعوقات أمام المستثمرين وتسهيل الإجراءات وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية في البلدين، بما يساهم في سرعة تنفيذ المشروعات وتحويل الاتفاقات ومذكرات التفاهم إلى استثمارات فعلية وفرص عمل وزيادة في الإنتاج والصادرات.
الاستثمارات السعودية تتجاوز 32 مليار دولار
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف غراب أن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مصر تكتسب أهمية اقتصادية كبيرة، معتبرًا أنها تمثل فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية بين القاهرة والرياض من مستوى التعاون والتنسيق إلى شراكة استراتيجية أكثر تكاملًا.
وأشار إلى أن الاستثمارات السعودية القائمة في مصر تتجاوز 32 مليار دولار، وتتوزع على عدد من القطاعات، موضحًا أن اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة بين البلدين من شأنها تعزيز ثقة المستثمرين وتسهيل تدفق رؤوس الأموال.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة زيادة الاستثمارات السعودية في المشروعات القومية، خاصة قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة والسياحة وإنشاء المدن الجديدة، في ظل تقاطع أولويات رؤية السعودية 2030 مع مستهدفات رؤية مصر 2030.
كما توقع استمرار نمو التبادل التجاري بين البلدين، مع العمل على تسهيل نفاذ السلع المصرية إلى السوق السعودية، خاصة الحاصلات الزراعية والصناعات الغذائية ومواد البناء، إلى جانب الاستفادة من الخبرات والإمكانات الصناعية السعودية.
الربط بين نيوم وقناة السويس
وأشار غراب إلى أن التعاون المصري السعودي يمكن أن يمتد إلى ربط المشروعات الكبرى في البلدين، ومن بينها مشروع نيوم والمناطق اللوجستية على البحر الأحمر والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأوضح أن هذا التكامل يمكن أن يدعم إنشاء محور لوجستي وتجاري يستفيد من الموقع الاستراتيجي للبلدين، ويعزز حركة التجارة والخدمات ويدعم تدفقات العملة الأجنبية.
وأكد أن التفاهم بين أكبر اقتصادين عربيين يمكن أن يسهم كذلك في تعزيز استقرار أسواق الطاقة وأمن الإمدادات، كما يبعث برسالة إيجابية إلى المستثمرين الأجانب بشأن استقرار البيئة الاستثمارية في المنطقة.
ولفت إلى أن زيادة الاستثمارات المشتركة لا تقتصر آثارها على تدفقات رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى توفير فرص عمل، ونقل التكنولوجيا، وتوطين صناعات جديدة، وتعزيز القدرات الإنتاجية والتصديرية في مصر والسعودية.
وتشير مجمل هذه المؤشرات إلى أن زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة تمثل فرصة لتعزيز مسار الشراكة الاقتصادية بين البلدين، وتحويل قوة العلاقات السياسية والتاريخية إلى مشروعات واستثمارات جديدة تدعم النمو الاقتصادي وتوسع المصالح المشتركة.




