في الذكرى الـ20 لرحيل صاحب نوبل الأديب العالمي نجيب محفوظ نعيد إلى الاذهان أحد أهم اعمالها الروائية والتي صنفت ضمن أهم الروايات في القرن الـ 20، وتعتبر ذكرى رحيله فرصة كبيرة للتعرف على إرثه الأدبي والذي بدأه في العشرية الثانية من القرن الماضي، وإعادة التأمل في إرثه الأدبي الخالد.
ونعيد قراءة رواية «كفاح طيبة»، نُشرت للمرة الأولى سنة 1944، وتُعد الرواية الثالثة بين رواياته التاريخية في سلسلة الثلاثية التاريخية بعد «عبث الأقدار» (1939) و«رادوبيس» (1943).
تُصوّر الرواية كفاح شعب مصر في سبيل استرداد حريته وطرد الغزاة الهكسوس من بلادهم، في إسقاط تاريخي حاسم؛ إذ جاءت في فترة كانت تخضع فيها مصر للحماية والاحتلال البريطاني، واستجابةً لظروف الأزمة السياسية والاجتماعية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وأتكر أنها كان يتم تدريسها ضمن منهج اللغة العربية لطلاب المدارس، وقتما كان أدب محفوظ حاضرًا في أذهان الأجيال السابقة.
استلهم محفوظ أحداث الرواية من التاريخ القديم ليُعيد للشعب روحه القتالية ويستنهض عزيمته في وجه المستعمر الأجنبي في تلك الفترة الزمنية، متخذاً من ذاكرة النصر في الحضارة المصرية القديمة وسيلة لتحريك الضمير الوطني وللتحرر من الاحتلال البريطاني وتحقيق الاستقلال، وهو ما عبّر عنه محفوظ بقوله: «… أردت بذلك أن أقول أنه مثلما نجح الشعب المصري في تحقيق استقلاله في العصور الغابرة، فإنه سينجح أيضا في العصر الحديث».
يمزج نجيب محفوظ في روايته قصة «كفاح أهل طيبة» بقصة حب الملك أحمس؛ فالبطل أحمس، رغم حصوله على النصر، لم تغب عن ذهنه صورة تلك الأميرة القادمة من الصحراء (ابنة عدوه الهكسوسي)، والتي ظلت ملامحها محفورة في قلبه كأول يوم رآها فيه على ظهر السفينة، ومع ذلك يضحي بعاطفته في سبيل وطنة «طيبة».
كفاح طيبة وقضايا الاستقلال الوطني
«فقال خيان: أيها الحاكم إنِّي أحمل إليك ثلاث رغبات فرعونية: تتعلَّق الأولى بشخص مولاي فرعون، والثانية بربه المعبود ست، والثالثة بروابط المودة بين الشمال والجنوب»
تُعيد قراءة رواية «كفاح طيبة» لأديب نوبل نجيب محفوظ طرح الأسئلة الفكرية والسياسية المتعلقة بقضايا الاستقلال والتصدي للهيمنة الأجنبية وإملاءات الاستعمار.
كما فالرواية لم تكن مجرد استعادة لصفحات مطوية من التاريخ المصري القديم، بل قراءة في طبيعة الصراع بين الشعوب والقوى المستبدة، وتُعيد صياغة مفهوم التحرر الوطني القائم على استعادة الإرادة الذاتية ورفض التنازل عن مقدرات الوطن.
أحداث الرواية
تدور أحداث الرواية في مصر القديمة خلال فترة احتلال الهكسوس، تبدأ القصة في مدينة طيبة التي كانت تخضع لسلطة الهكسوس وتحت دفع الجزية لملكهم «أبوفيس» المقيم في أواريس بشمال البلاد. تتفجر الأحداث حين يبعث الملك المستعمر برسالة استفزازية إلى أمير طيبة «سيكننرع»، يطالبه فيها بإلغاء الطقوس الدينية وإزالة رموز السيادة الوطنية، وعلى رأسها التاج المزدوج، فضلاً عن تقديم المطالب التعجيزية للتضييق على الجنوبيين.
ويقول محفوظ بعد سقوط سيكننرع :«أصغوا إلي جميعاً، إذا سقط سيكننرع فلا تيأسوا فسيخلف كاموس أباه، وإذا سقط كاموس خلفه أحمس الصغير… فلا أحذركم إلا من عدو واحد هو اليأس». وكأن اليأس وعدم المقاومة هو العدو الحقيقي للإنسان فإذا تملك اليأس منه فإذا بالهزيمة نهاية حتمية له.
تتطور الأحداث بالرفض القاطع من جانب قيادة طيبة والشعب، لتندلع حرب التحرير الأولى التي تنتهي بمأساة استشهاد الأمير «سيكننرع» في أرض المعركة، كما أن الرواية لا تتوقف عند هذه الهزيمة؛ وبانتقال القيادة إلى ابنه «كاموس» الذي يواصل الكفاح في خوض المعارك واستعادة الأقاليم الوسطى، حتى يسقط هو الآخر شهيداً ، حتى يتولى أحمس الصغير القيادة، ليقود المقاومة الوطنية الشاملة عبر تنظيم الجيش واستخدام التكتيكات العسكرية الحديثة، وينتهي المطاف بدخول «أواريس» وطرد الهكسوس نهائياً خلف الحدود الشرقية لمصر.
صمود الهوية
تستعرض الرواية مدى الخسائر التي تكبدها الشعب المصري سواء الخسائر الاجتماعية والاقتصادية للغزو الأجنبي، حيث تركز على الآثار اليومية للاحتلال على المصريين من خلال فرض الضرائب الباهظة والسخرة وتحقير الثقافة المحلية، ونجد ان محفوظ قد اعتمد على توضيح الفرق بين مفهوم السيطرة العسكرية الطارئة وبين الهوية الحضارية الراسخة؛ فبالرغم من استمرار حكم الهكسوس لأكثر من قرنين من الزمان، إلا أنهم ظلوا عنصرًا غريبًا لم يستطع الاندماج أو إلغاء البنية الاجتماعية للمجتمع المصري.
كما تسلط الرواية أيضًا، الضوء على فكرة «المقاومة»، وأن استرداد السيادة لم يتحقق عبر ضربة عسكرية خاطفة، بل جاء نتيجة استراتيجية طويلة الأمد اعتمدت على توحيد الصفوف وتدريب الجيش وتجاوز الانقسامات الداخلية، وتظهر الرواية أن النصر التاريخي كان حصيلة نضال متواصل شاركت فيه كل الطبقات الشعبية إلى جانب القيادة السياسية والدينية، مما جعل من حركة التحرر نموذجاً لبناء الدولة المستقلة.
دور المرأة في قيادة التحرير وصناعة القرار
كما تمنح الرواية مساحة واسعة لدور المرأة في إدارة الأزمة الوطنية، حيث تظهر النساء في طيبة كقاديات وحارسات للذاكرة التاريخية، وأنهن لسن مجرد شخصيات هامشية في خلفية الصراع العسكري، وتتجسد هذه القوة في شخصيتين محوريتين داخل الأسرة الحاكمة: الملكة الجدة «توتيشيري» الجدة والأم الروحية للأسرة الطيبة، تمثل رمز الحكمة والتاريخ والصلابة، وحارسة التاج المزدوج والملكة الأم «أحوتبي» زوجة سيكننرع وأم كاموس وأحمس، تدير القصر والصفوف الخلفية وتقدم أبناءها فداءً للوطن، و «نفرتاري» زوجة أحمس وشريكته في ملك مصر.
تُمثل الملكة «توتيشيري» الرمز الروحي والسياسي الأعلى في الجنوب؛ فهي التي تحتفظ برموز الحكم والتاج المزدوج، وتعمل على غرس مفهوم الكرامة الوطنية في نفوس الأبناء والأحفاد، لم تكن «توتيشيري» تكتفي بمراقبة الأحداث، بل كانت تشارك في اجتماعات الحرب وتصيغ الشكليات السياسية التي ترفض المساومة على أراضي الدولة أو التنازل عن مقدراتها، مستندة إلى تاريخ مصر القديم لرفع الروح المعنوية في أحلك الأوقات.
قال عنها محفوظ : «وقد تخلَّتِ الملكة على أثر وفاة زوجها عن الحكم كما يقضي القانون، تاركةً مقاليد طيبة لابنها وزوجه، ولكنها ظلَّت الرأي الذي يُرجَع إليه في الملمات، والقلب الذي يلهم الأمل والكفاح، وقد أقبلت في فراغها على القراءة، وكانت تديم المطالعة في كتب خوفو وقاقمنا وكتب الموتى وتاريخ العهود المجيدة التي خلَّدها أمثال مينا وخوفو وأمنمحيت، وكان للملكة الوالدة شُهرة عظيمة في الجنوب جميعه، فما من رجل أو امرأة إلا يعرفها ويحبها ويقسم باسمها المحبوب».
أما الملكة «أحوتبي»، فتحضر في الرواية كنموذج للمرأة الصلبة التي تدير شؤون الدولة في أوقات الفراغ السياسي والحداد. فعقب استشهاد زوجها سيكننرع ثم ابنها كاموس، لم تتراجع «أحوتبي» أو تطلب السلام المشين، بل وقفت سنداً للابن الأصغر أحمس، وشاركت في تنظيم الصفوف الخلفية وتأمين الإمدادات للجيش وتثبيت أركان الحكم في طيبة، وتبرز الرواية كيف تحولت تضحيات النساء وصبرهن على فقد الرجال إلى عنصر أساسي من عناصر العقيدة العسكرية التي قادت إلى النصر النهائي. وقد جاء على لسانها
استشراف ما بعد الحرب وبناء السلام
تختتم الرواية أحداثها برؤية فكرية متقدمة لمفهوم النصر؛ إذ لا يعتبر نجيب محفوظ أن انتهاء العمليات العسكرية وطرد العدو هو نهاية المطاف، بل يرصده كبداية لتحدٍّ جديد يكمن في البناء الداخلي وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة على أسس من العدل والعمل.
ويركز النص في مقاطعه الأخيرة على أهمية الانتقال السريع من حالة الشحن العسكري إلى التنمية المدنية، وتأكيد أن حفظ الاستقلال يتطلب من الجماهير والقيادة يقظة مستمرة وجهداً يماثل الجهد المبذول في ميدان القتال.
«اليوم تنتهي الحرب فيجب أن نغمد سيوفنا ولكن الكفاح لم ينته أبداً. وصدقوني أن السلام أكبر من الحرب حاجة إلى يقظة النفوس وتوثب العزائم، فأعيروني قلوبكم لنبعث مصر بعثاً جديداً».