


في عالم الفن والإذاعة الكوميدية، لا يمر اسم “فتلة” دون أن يثير ابتسامة ودهشة؛ فهو واحد من الذين جعلوا الضحك فناً له روح، ولهذا تبدأ الحكاية من الجذور، من الأب الفنان عبدالحميد زكي، الذي بدأ حياته الفنية بإلقاء المونولوج، وكان صاحب صوت جميل وكلمات لاذعة محببة، فكان طبيعيًا أن يرث ولده لطفي عبدالحميد زكي ـ الذي عرف لاحقًا باسم “فتلة” ـ هذا الميل الفني، وأن تكون البداية من نفس الباب: الغناء والمونولوج.
لكن “فتلة” منذ طفولته لم يكن مشغولًا بالغناء بقدر ما كان مأخوذًا بفكرة الإلقاء والسخرية، وبذكاء الطفل الساخر، بدأ يقلد أباه في المدرسة، يؤدي المونولوجات أمام زملائه، ويصنع ضحكاتهم كما لو كان خُلق لذلك. ومع التحاقه بمدرسة التوفيقية، بدأت المواهب تنضج بشكل واضح؛ إذ بادر بتنظيم حفلات السمر كل يوم خميس، من تمثيله وإخراجه وتأليفه أحيانًا، حتى أطلق عليه أحد المدرّسين لقبًا لازمه طوال حياته: “ملك السمر”، وقال له مازحًا: “يا واد يا لطفي، أنت الملك والحاشية مع بعض”، في إشارة إلى وزنه الذي كان يساوي وزن ثلاثة من الطلاب النحفاء.
كبر لطفي، وكبر معه حسه الكوميدي، فالتحق بكلية الزراعة، وهناك كان المشهد مختلفًا؛ لم يعد ملك السمر وحده، بل صار كما قالوا: ملك ملوك السمر. انتقلت موهبته من المسرح المدرسي إلى الإذاعة بعد أن لفت انتباه الكاتب الكبير يوسف عوف، الذي قدمه ليؤدي اسكتشات كوميدية ناجحة، كانت جواز المرور إلى البرنامج الأشهر في ذلك الوقت: “ساعة لقلبك”، وهناك وُلد اسم “فتلة” الذي اشتهر به، رغم أن جسده الممتلئ لم يكن يسمح بأي “فتلة”، لكنه كان يعرف كيف يجعل الناس يضحكون على المفارقة قبل أن يفكروا فيها.
كان لطفي عبدالحميد زكي صاحب روح خفيفة وسخرية فطرية، لا يتصنعها ولا يجهد نفسه فيها. حين رآه طالب جديد في الكلية أثناء درس عملي في الحقل، ظنه أستاذًا من هيبته وضخامته، وقال له: “تسمح يا بيه تشرحلي اللي فات؟”، فابتسم فتلة وقال: “لو على كده، أنا مش دكتور واحد.. أنا لازم أبقى دكاترة.. أبقى كلية بحالها!”. كان يعرف كيف يحوّل التعليقات إلى ضحكات، والسخرية إلى قبول.
وفي إحدى المناسبات، دُعي مع زميليه الخواجة بيجو ومحمد يوسف لحضور زفاف، ليقدموا فقرة كوميدية. بدأ يوسف بإلقاء نكات لم تعجب أهل العريس، فصعدوا إلى المسرح في محاولة لضربه، فهرب هو والخواجة بيجو، بينما بقي لطفي يحاول تهدئة الموقف. لكن أهل الفرح وجدوه وحده، فكان نصيبه من الضرب أوفر من الضحك. وعندما سُئل: لماذا لم تهرب معهما؟ أجاب بطريقته: “أجري؟ أنا أتخن واحد فيهم.. هجري إزاي وإمتى؟”.
لم يكن فتلة مجرد ممثل كوميدي، بل كان حكاية متكاملة عن خفة الروح، وسخرية القدر، وموهبة لا تتصنع. ابن فنان، صار فنانًا، لكنه لم يرث الفن فقط.. بل أضاف إليه روحه.



