توب ستوريفن

مذكرات شادية (2).. أجرأ القرارات التي اتخذتها في حياتي

كان اصطحابي إلى تلك الناظرة الرهيبة حدثًا مرعبًا بحق. وجدت نفسي أقف أمامها، وهي تنظر إليّ بلا اهتمام يُذكر، بينما قالت “أبلة ليلى” بنبرة رسمية:
“دي فاطمة شاكر اللي كلمتك عنها.”

ازداد خوفي أكثر، وتساءلت داخلي: لماذا كل هذا الرعب؟ لم أفعل شيئًا يستحق العقاب. فالدخول إلى غرفة حضرة الناظرة لم يكن يُبشّر بخير أبدًا. فهو إما يعني العقوبة، أو استدعاء ولي الأمر!
وبدأت أتصوّر والدي في إنشاص، وهو يتسلّم خطابًا من المدرسة يطالبه بالحضور لمقابلة الناظرة، التي ابتسمت أخيرًا وقالت لي بصوت هادئ:
“سمعت إن صوتك حلو يا فاطمة.. سمعينا حاجة كده.”

كنت أرتجف من الخوف، لكني بدأت أغني بصوت متردد: “بتبص لي كده ليه…”، فابتسمت الناظرة وهنأتني وشكرتني، ثم صرفتني.
خرجت من غرفتها وأنا أتنفس الصعداء، لكن الفضول كان يلمع في عيون زميلاتي اللاتي تصورن أنني تعرضت للفصل. قلت لهن بثقة:
“أبدًا.. كنت بغني لحضرة الناظرة.”

ومنذ ذلك اليوم، شاع في المدرسة أن الناظرة تُحبني، وأنني الطالبة المقرّبة منها، بل وتكهّن الجميع بأنني سأنجح في نهاية العام بدرجات كاملة، مائة في المائة!
واندفع الغرور إلى قلبي الصغير، فصدّقت نفسي، ولم أعد أهتم كثيرًا بدروسي، مكتفية بلقب “مطربة الناظرة”.

لكنّ المفاجأة الكبرى كانت عندما أعلنت النتيجة.. رسبت في جميع المواد!
كانت صدمة قاسية أيقظتني من أوهامي، فتعلمت الدرس جيدًا، وعدت أهتم بدروسي، ونضجت سريعًا. كنت في الثالثة عشرة من عمري حين بدأت أشعر أن صوتي جميل حقًا، وأن الغناء يسكنني مثل قدر لا مفر منه.

كانت أختاي سعاد وعفاف قد تزوجتا، وفي إحدى الليالي نادتني أمي قائلة:
“تعالي يا فاطمة، عندك عريس بيطلب إيدك من أبوك.”
نظرت إليها بدهشة:
“لي أنا؟!”
قالت بابتسامة باهتة:
“نعم، شاب مهندس طيران، عمره اثنان وعشرون عامًا.”

كان أبي، مثل معظم الآباء، يريد أن يطمئن عليّ ويزوجني كما زوّج أخواتي. كان يظن أنه يُؤمّن مستقبلي، بينما كنت أشعر أنه يُغلق أبوابي إلى الأبد. فالفن كان يسري في دمي، والغناء حلمي الذي لا يفارقني. كنت أسمع من الجميع كلمات التشجيع: “صوتك هايل يا فاطمة.. صوتك أحلى من ليلى مراد!”
لكنني كنت أرى أن كل أحلامي تنهار أمامي، لأنني سأصبح “زوجة” بلا رغبة، وزوجة لإنسان لا أعرفه ولا أحبه.

جاء العريس، وقدّمت له الشربات، لكنني لم أره جيدًا. كانت دموعي تحجب رؤيتي، وقلبي يضجّ بالرفض.
في تلك الليلة لم أستطع النوم، وقلبي يختنق من الخوف والتمرد في آن واحد. ظلت فكرة واحدة تتردد بداخلي بإصرار:
لن أتزوج.

كانت تلك اللحظة هي الأعنف في حياتي، لحظة اتخذت فيها القرار الأجرأ على الإطلاق:
أن أقول “لا” لأول مرة لأبي، وأن أرفض الزواج رغم أنف الجميع، وأن أختار طريقي بنفسي مهما كانت العواقب.

كنت صغيرة، نعم، لكني كنت أملك شجاعة لم أتذوقها من قبل. لم أكن أدري إلى أين سيقودني هذا الرفض، لكني كنت متأكدة أنني لو استسلمت، فلن أكون شادية التي يعرفها الناس اليوم.

وهكذا بدأت رحلتي الحقيقية مع التمرّد، ومع الحلم الذي صنعني وأعادني إلى نفسي.

يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى