

تظل السيدة هدى شعراوي واحدة من أعظم الشخصيات النسوية في التاريخ العربي، ورمزًا للشجاعة والدفاع عن حقوق المرأة وحريتها واستقلالها. ففي ميدان الإسماعيلية بالقاهرة، المعروف اليوم بميدان التحرير، خلعت هدى شعراوي الحجاب وسط حشود من النساء والرجال، وكان هذا الفعل بمثابة إعلان صريح عن رفضها للهيمنة الذكورية على المرأة، وأساسًا لموجة الدعوات النسوية في مصر والمنطقة العربية بأكملها. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الميدان رمزًا للتحرير والكرامة النسوية.
لكن هدى شعراوي لم تتوقف عند حدود الرمزية السياسية والاجتماعية، بل تدخلت بشكل مباشر في القضايا الشخصية والعائلية، حتى ولو كانت معقدة وحساسة. من أبرز تلك الحكايات ما حدث مع ابنها، الذي أحب الفنانة فاطمة سري، وتزوجها عرفيًا بعيدًا عن الأنظار. وعندما حملت، حاول الابن تجاهل المسؤولية، ما دفع الفتاة للجوء إلى هدى شعراوي طلبًا للحق والحماية.
إلا أن المفاجأة كانت أن هدى شعراوي رفضت التدخل، وأبلغت الفتاة أن المشكلة من مسؤوليتها وحدها، مثلما تصرفت مع ابنها. حاولت الفتاة مرارًا إثبات نسب المولود، لكنها واجهت كل سلطات هدى شعراوي في طريقها، ما جعل القضية تصل إلى أعلى مستويات السلطة، بما في ذلك رئيس الوزراء سعد زغلول، الذي رفض التدخل قائلاً إن الأمر لا يخصه.
تصميم الفتاة على الدفاع عن حقها دفعها إلى توكيل محامٍ كفء ورفع دعوى قضائية، وكانت الأدلة واضحة، إذ كان الطفل نسخة مطابقة لأبيه. وهنا برزت المفارقة التاريخية: نصيرة المرأة، التي طالبت بالحرية والمساواة، اضطرت السلطة للتدخل حين حاولت رشوة القاضي، واتصل وزير العدل بسعد زغلول لإجبار هدى شعراوي على الاعتراف بالزيجة والطفل، وهو ما تحقق في النهاية.
هذه القصة تبرز الوجه الإنساني والاجتماعي المعقد لهدى شعراوي، فهي شخصية عظيمة في الدفاع عن حقوق المرأة، لكنها في الوقت ذاته كانت صارمة في مسائل العائلة والسيطرة على الشأن الشخصي، وهو ما يظهر التناقض البشري لدى كبار الشخصيات التاريخية.
هدى شعراوي تظل نموذجًا يُدرس في كتب التاريخ، ليس فقط لمواقفها العامة ضد الظلم الاجتماعي والسياسي، بل أيضًا لتعاملها مع التحديات الشخصية والصراعات العائلية، ولإصرارها على وضع مبادئها نصب عينيها، حتى لو كانت مجابهة مع أقرب المقربين إليها. فهي علمت أجيالًا كيف يكون النضال من أجل المرأة حرية ومساواة، وكيف تكون القوة في الحق والعدالة، حتى لو كان الطريق محفوفًا بالتحديات والمفارقات الإنسانية.




