
كان عبد الفتاح القصري يحكي بمرارة ممتزجة بالدهشة عن أيام عاشها مع نجيب الريحاني في الإسكندرية، أيام لم يعرف فيها سوى الجوع والتشرد، ورفقة كبرياء لا يلين. يقول: كنت مع الريحاني نحاول تكوين فرقة مسرحية نقضي بها موسم الصيف هناك، نحلم بنجاح يفتح لنا أبواب الأمل، ونبحث عن المال الذي يعيننا على تحقيق هذا الحلم.
لكن المال نفد سريعًا، وأنفقنا ما تبقى من جنيهات معدودة في فندق متواضع، ثم تركنا الحقائب فيه ومضينا في شوارع الثغر الساحلي ننتظر ساعة الفرج. لم يكن معنا حتى ثمن سيجارة، وكنا نستشعر لذة معنوية عجيبة كلما رأينا شخصًا يدخن أمامنا، فنراقبه عن بُعد ونتتبع خطواته وكأننا نقتسم معه أنفاسها في خيالٍ لا يُشبع. وأكثر ما كان يحطم أعصابنا أن يرمي أحدهم عقب السيجارة قبل أن تنتهي أنفاسها الأخيرة، دون أن يدرك حرماننا أو يلتفت إلى عيوننا المتعطشة.
وكم مرة فكرنا في الانحناء لالتقاط هذه الأعقاب، لولا بقايا كبرياء ظلت تتمسك بنا رغم كل قسوة الفقر. نمنا على مقاعد المقاهي، وفي الحدائق العامة، نستتر بالليل، ونتدفأ بذكريات الضحك على المسرح حين كنا نُصفق وتُرفع الستائر احترامًا لنا. ومع ذلك، لم تسمح لنا أنفسنا أن نستدين من زملائنا، فحالهم لم يكن أوفر حظًا من حالنا.
إلى أن جاء الفرج على يد رجل غريب لا نعرفه، مدير فندق سان ستيفانو، الذي كان من عشاق شخصية “كشكش بك” التي جسدها الريحاني. ما إن علم بوجود الريحاني في الإسكندرية حتى أرسل من يبحث عنه حتى وجدنا. استقبلنا استقبال الكبار، وسأل عن حالنا، فقصصنا عليه حكايتنا دون تزييف. زادت دهشته حين علم أن ملابس “كشكش بك” محتجزة في الفندق الذي غادرناه هربًا من دفع الحساب، فاتصل مباشرة، واستدعى الحقائب وسدد المطلوب، ثم استضافنا في سان ستيفانو ثلاثين يومًا كاملة.
كنا نُعامل خلال تلك الأيام كأهم نزلاء الفندق، ولم ندفع شيئًا، حتى بدأنا نشعر بالخجل من كرم الرجل، وفكرنا في الهرب. وحين حاولنا ذلك، استوقفنا بابتسامة، وسألنا عن سبب الهروب. فأجبنا بخجل أن الحال لا يسمح لنا بكل هذا الترف، فقال: بل أنتما نزلاء محترمون، ولكما عندي حساب.
وانفجر الريحاني دهشة: يا نهار أسود! وإحنا لينا حساب؟ فضحك الرجل وقال: بل ولكما في ذمتي 160 جنيهًا.
ثم كشف سر المفاجأة: لقد نظم حفلة تنكرية وهمية، أقنع فيها الريحاني بارتداء ملابس “كشكش بك”، وجعله الفائز بالجائزة الأولى بقيمة 200 جنيه، وجمع باقي المبلغ من النزلاء في حفلات خاصة لصالحنا. خصم ما أنفقناه من طعام وشراب وسجائر، وبقي لنا 160 جنيهًا صافياً.
يومها، يقول القصري، أدركت أن الفن قد يُفقر الجسد، لكنه لا يترك الروح دون منقذ.




