

تشهد بلجيكا أزمة سياسية عميقة نتيجة الجمود الحكومي المستمر منذ قرابة العامين، ما يثير مخاوف داخلية وأوروبية على حد سواء. فغياب حكومة اتحادية قوية يحد من قدرة البلاد على اتخاذ قرارات حاسمة في مجلس الاتحاد الأوروبي، ويضع بروكسل، عاصمة الاتحاد ومقر مؤسساته، تحت ضغط متواصل.
الانقسامات السياسية واللغوية تمثل الجذر الرئيسي للأزمة، إذ تتصارع الطائفتان الرئيسيتان في البلاد: الفلمنكيون الناطقون بالهولندية والفرنكوفونيون الناطقون بالفرنسية، حول الإصلاح المؤسسي وزيادة صلاحيات المناطق على حساب الدولة الفيدرالية. هذا الصراع يؤدي إلى صعوبة تشكيل ائتلاف حكومي مستقر، ما يجعل الحكومة تعمل غالبًا بصلاحيات محدودة عبر تصريف الأعمال.
الأحزاب الفلمنكية، خاصة القومية منها، تدفع بقوة نحو تعزيز استقلالية المناطق وربما الانفصال الجزئي، بينما تحاول الأحزاب الفرنكوفونية الحفاظ على الوحدة الوطنية وتمويل الدولة الفيدرالية. هذا الانقسام يجعل كل جولة مفاوضات بعد الانتخابات مسدودة، ويؤخر إقرار ميزانيات جديدة أو تنفيذ إصلاحات هيكلية، ما يرفع الدين العام ويزيد من المخاطر المالية للبلاد.
نظام التمثيل النسبي المعقد في بلجيكا يزيد المشكلة تعقيدًا، إذ يتطلب تشكيل الحكومة تحالفًا بين ستة أو سبعة أحزاب مختلفة الأيديولوجيات من مناطق متعددة، ما يجعل التوافق شبه مستحيل ويطيل فترات الجمود، ويؤثر سلبًا على قدرة البرلمان على اتخاذ قرارات استراتيجية.
الانعكاسات لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى الاتحاد الأوروبي، حيث تأخر إقرار الميزانيات والإصلاحات يرفع المخاطر المالية ويعرض بلجيكا لإجراءات تأديبية من المفوضية الأوروبية بموجب ميثاق الاستقرار والنمو. كما أن استمرار الجمود يؤثر على صورة بروكسل كمقر للاتحاد وحلف الناتو، ويضع المؤسسات الأوروبية في موقف محرج أمام العالم.
على الصعيد الداخلي، يشجع الفراغ السياسي الأحزاب المطالبة بالمزيد من الاستقلالية في فلاندرز، ويزيد من احتمالية تجزئة السلطات الفيدرالية على المدى الطويل. كما يغذي الجمود شعورًا واسعًا بعدم الثقة بين المواطنين والطبقة السياسية، ويهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويفتح الباب أمام حركات احتجاجية واضطرابات محتملة، ويزيد من صعوبة إدارة الأزمات الطارئة مثل الهجرة أو الطاقة.
تظل بلجيكا أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على الوحدة الوطنية وإعادة الثقة في مؤسساتها، وضمان استقرارها المالي والسياسي ضمن قلب أوروبا، في ظل الضغوط المتزايدة من الداخل والخارج.




