

في العشرين من نوفمبر 1995، شهد العالم حدثًا إعلاميًا استثنائيًا غيّر تاريخ العائلة الملكية البريطانية إلى الأبد، حين ظهرت الأميرة ديانا، أميرة ويلز، في مقابلة تلفزيونية مثيرة على برنامج “بانوراما” مع الصحفي مارتن بشير عبر قناة “بي بي سي”.
لم تكن هذه المقابلة مجرد حديث عابر، بل كانت اعترافًا صادمًا وغير مسبوق هزّ أركان أقدم ملكية في العالم. تحدثت ديانا بصراحة عن الخلافات العميقة بينها وبين الأمير تشارلز، مؤكدة شائعات الخيانة الزوجية وعلاقة زوجها بكاميلا باركر بولز، وكشفت عن معاناتها الشخصية مع الاكتئاب والشره المرضي وإيذاء النفس، وهي مواضيع كانت تُعد من المحرمات في المجتمع الملكي آنذاك.
كانت كلماتها جريئة ومؤثرة، إذ اعترفت بأنها شعرت بأنها “أصبحت العدو الأول لبريطانيا”، وأن أفعالها كانت مصدر توتر داخل القصر الملكي. ردود الفعل لم تتأخر، إذ أثارت المقابلة عاصفة غضب داخل العائلة الملكية، حيث وصفت الملكة إليزابيث الثانية تصرف ديانا بأنه “مروع للغاية”، واعتبرته نشرًا لما أسمته “غسيل الأمير تشارلز القذر”، بينما ضحكت كاميلا باركر بولز على المقابلة معتبرة إياها “مسرحية تلفزيونية”.
تداعيات المقابلة امتدت أيضًا إلى العلاقة بين ديانا وأبنائها الأميرين ويليام وهاري، حيث شعرا بالحرج بسبب المعلومات الشخصية التي كشفت عنها والدتهما. وبالرغم من الصدمة والانتقادات، تبقى هذه المقابلة وثيقة إنسانية مهمة كشفت عن امرأة تحدت التقاليد الملكية وكشفت عن حقيقة معاناتها الشخصية وسعيها لمساعدة الآخرين.
بعد سنوات، كشفت تحقيقات عام 2021 أن الصحفي مارتن بشير ضلّل الأميرة ديانا عمدًا لضمان إجرائها للمقابلة، مستخدمًا أساليب خادعة مثل تزوير كشوفات حسابات بنكية لكسب ثقتها. هذا الكشف أضاف بعدًا مأساويًا جديدًا للقصة، حيث اتضح أن ديانا استُخدمت في لعبة إعلامية معقدة.
مع ذلك، تبقى كلمات الأميرة ديانا شاهدة على شجاعة إنسانية نادرة، إذ قالت: “أتمنى أن أكون ملكة القلوب، لكنني لا أرى نفسي ملكة هذا البلد”، مؤكدة أنها لا تتبع القواعد بل قلبها، وتسعى لمساعدة من يعانون. هذه المقابلة لم تكن مجرد حدث إعلامي، بل لحظة تحول في العلاقة بين العائلة الملكية والجمهور، حيث أظهرت البشرية والضعف وسط مؤسسة عريقة كانت حتى ذلك الحين محمية بالصمت والقداسة.
تظل الأميرة ديانا اليوم رمزًا للجرأة الإنسانية، امرأة سبقت عصرها، تكلمت بصراحة عن الصحة النفسية والتحديات الشخصية، تاركة إرثًا إنسانيًا خالدًا يُذكر عبر الأجيال.




