
في أواسط ستينيات القرن الماضي، كانت أسرة عمر الشريف وفاتن حمامة محط أنظار الجمهور العربي، لا بسبب أعمالهما الفنية فقط، بل أيضًا لما كانت تحمله حياتهما الخاصة من مواقف إنسانية وأحداث طريفة. غير أن حادثة بعينها تسببت في أزمة غير متوقعة لهما، كان بطلها طفلهما الوحيد طارق، الذي سار على خُطى والديه دون قصد، وأشعل أزمة فنية حقيقية وإن كانت في غاية الطرافة.
البداية.. مكالمة أربكت فاتن حمامة
كانت فاتن حمامة في باريس حين رغبت في الاطمئنان على ابنها طارق الذي يدرس في جينيف. وكعادتها، كانت تتصل به أسبوعيًا لتسأله عن أحواله ودراسته. إلا أن المفاجأة هذه المرة كانت صادمة. فعندما اتصلت بإدارة المدرسة، جاءها صوت الناظر قائلاً بهدوء:
“طارق ليس في المدرسة يا مدام فاتن… إنه على الجبل، يصوّر فيلمًا!”
تجمدت فاتن في مكانها، وعاجلت الرجل بأسئلة متلاحقة:
“فيلم؟! وعلى أي جبل؟! ومع من؟ وكيف يخرج من المدرسة دون إذني؟!”
جاء الرد أكثر إرباكًا:
“ظننت أنك على علمٍ بكل شيء، يا مدام… إنه هناك منذ أسبوع كامل، يشارك في تمثيل فيلم للأطفال.”
عمر الشريف يطير إلى جينيف
لم تكد فاتن تُغلق الهاتف حتى اتصلت بعمر الشريف، وروت له ما سمعت. لم يترددا لحظة واحدة، وحجزا أول طائرة متجهة إلى جينيف. كانت الأم في حالة من القلق والذهول، تخشى أن يكون ابنها قد استُغل دون علمهما.
وقد روت لاحقًا لمجلة الموعد قائلة:
“تصوّري! أخذوا طارق ليمثل في فيلم رغم أنفنا! لقد رفضنا عشرات العروض التي جاءت له، لأنه ما زال صغيرًا جدًا على العمل في السينما.”
حاول بعض أصدقائها تهدئتها مؤكدين أن أحدًا لا يستطيع إجبار ابنها على التمثيل دون موافقتها، لكنها ظلت قلقة حتى لحظة رؤيته بعينيها.
الحكاية من البداية
حين وصلت فاتن وعمر إلى المدرسة، علما من الإدارة بتفاصيل ما جرى. فشركة إنتاج إنجليزية كانت تصور فيلمًا عن الأطفال في سويسرا، واختارت – بالصدفة أو لسبب خفي – مدرسة طارق لتصوير بعض المشاهد.
وبينما كان المخرج وفريقه ينتقون الأطفال المشاركين، اقترب منهم طارق بكل ثقة وقال:
“أنا أمثل كويس! بابا ممثل وماما ممثلة، وأنا كمان ممثل!”
ابتسم المخرج وسأله:
“وهل والدك ووالدتك موافقان؟”
فأجاب الصغير بحماس:
“طبعًا! هما دايمًا بيسمحوا لي!”
ولم يتردد أحد، فأخذوه معهم إلى الجبل لتصوير مشاهده في الفيلم.
اتهامات ودموع
بعد أن هدأت العاصفة وعاد طارق إلى أحضان والديه، بدأت فاتن تفكر في تفاصيل ما حدث، لتصل إلى قناعة أن اختيار الشركة الإنجليزية لمدرسة ابنها لم يكن مصادفة. فقد رأت أن علمهم بمشاركته الصغيرة في فيلم دكتور زيفاجو مع والده عمر الشريف ربما كان وراء اختيارهم له، في محاولة لاستغلال اسمه.
قالت فاتن في حوارها:
“الذي يضايقني ليس تمثيله، بل الطريقة التي تم بها الأمر. كيف يسمح ناظر المدرسة بخروجه دون الرجوع إلينا؟! لقد كلفنا محامينا بمتابعة الأمر، ولن نتركه يمر دون تحديد المسؤولية.”
ومع ذلك، لم تخلُ الأزمة من لمسة إنسانية، إذ ذكرت فاتن أن منتج الفيلم حاول بشتى الطرق إقناعها وزوجها بترك طارق ليكمل دوره. بل إنه بكى أمامهما متوسلًا ألا يوقفاه بعد أن قطع شوطًا في التصوير، لكن الدموع لم تجدِ نفعًا، فالإصرار كان سيد الموقف.
أزمة بطعم الطفولة
تحولت القصة بعد أيام إلى مادة دسمة للصحف والمجلات، إذ تناولتها الصحافة على أنها أزمة طريفة بين “النجمين الكبيرين وابنهما الموهوب”. وكتب أحد النقاد يومها أن “الوراثة الفنية ظهرت بوضوح في بيت الشريف – حمامة، فحتى الطفل لم يستطع مقاومة سحر الكاميرا.”
ورغم القلق الذي سببته الحادثة، لم تُخفِ فاتن إعجابها بشجاعة ابنها وجرأته، لكنها أكدت أنها لا تريد له أن يدخل عالم الفن مبكرًا، قائلة:
“الفن مسؤولية كبيرة، لا أريد أن يحملها طارق قبل أوانها. يكفيني أنه ابن فنانين، وسيرى بعينه كم هذا الطريق متعب وشاق.”
ما بعد الأزمة
بعد فترة من الزمن، عادت الحياة إلى طبيعتها داخل بيت الشريف، وظلت الواقعة تُروى كلما ذُكرت موهبة طارق الصغيرة. كانت الحكاية، رغم قلقها الأول، سببًا في ضحكات كثيرة لاحقة بين أفراد العائلة.
لقد كان ابن النجمين الشهيرين بالفعل “ابن الوز عوام”، فقد وُلد وسط الكاميرات والأضواء، ومن الطبيعي أن ينجذب إليها بطريقته البريئة. أما فاتن حمامة، فظلت تردد أن “تجربة طارق كانت درسًا جميلًا في حدود المسؤولية الأبوية وسط عالم لا يعرف التوقف.”
وهكذا، انتهت أزمة طارق بسلام، لكنها تركت في حياة والديه ذكرى لا تُنسى، تؤكد أن الفن – مهما بدا بعيدًا – يسري في العروق مثل الموهبة، وأن حب التمثيل قد يكون أحيانًا فطريًا لا يُكتسب بالتعليم، بل يُولد مع صاحبه.




