
إزيدورا
ترقد في ثبات عميق، وعين حالمة كانت تتمنى أن تحيا مع من سكن قلبها،ولكن كان أخر ما رأته عينها ظلام غياهب النيل حيث فاضت روحها، إزيدورا إبنة ال19 ربيعا، التي فَتنت عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين ولقبها بشهيدة الحب، فظلت إزيدورا مصدر إلهام لقصص الحب بعدها.
في مدينة (تاونس) فى العصر الفرعونى ثم (تاحنت) أيام الرومان، ومعنى الاسمين البحيرة التي كانت تنتج عن النيل أثناء الفيضان المسماه حاليا بتونا الجبل في محافظة المنيا، وقد مر ما يقرب عن 20 قرن من الزمان علي تلك القصة التي طواها الزمان تحديدا عام120 ميلادي في عصر الإمبراطور هادريان (117م-138م)، والذي في عهده تقدم الفن و العمارة والهندسة، كما في طراز مقبرة إزدورا الذي لم تكن تألفة مصر بعد، حيث إمتزج الفن في بُناها بين الفن الاغريقي والفرعوني، فتتكون من حجرتين، وقد نقش الفنان على جانبيها الأماميين مرثيتين طويلتين باللغة الإغريقية تعبران عن الندم والم الفقد لم نري مثلهما من قبل، كما أن المقبرة مبنية من الطوب اللبن المحروق ولونه قاتم وفي معظم الأجزاء مطلي باللون الأبيض من الخارج والداخل، وينتصب أمام المدخل المذبح، إستلقت مومياؤها على سرير جنائزي فاخر عبارة عن بناء مرتفع من الطوب اللبن، ويعلوه نموذج على شكل قوقعة مغطاة بالجص.
وهو طراز فرعوني وترقد عليه إزيدورا بكامل زينتها، وأمامها مرثيات أبيها لها ليتها تقرأ مابثه من ندم فقال حقا يا إزيدورا انهم حور من عرائس النهر اللاتي شيدن لك هذه المقصورة، فنيللو كبري بنات النيل هي التي زينت لكي قبرك بتلك القوقعة الجميلة كالتي يضمها النيل في أعماقة لن أقدم لك يا إبنتي القرابين المشفوعة بالأنين لإنك غدوت في عداد الألهة، وهاهي الفصول تقدم لك الماء الطهور والشتاء يقدم اليك اللبن، وزيت الزيتون ويتوجك بزهر النرجس، والربيع يهديكي العسل والورود التي تحبيها، والصيف يعبر عن حبه لك بشراب الكروم من معاصر باكوس وداعا يا صغيرتي.
عاشت الفتاة الرقيقة بعيناها الواسعة السوداء وبشرتها البيضاء وبملامحها الإغريقية حياة مترفة كأسرتها الإغريقية في مدينة انتنيوبولس (الشيخ عبادة حالياً) على الجانب الشرقي للنيل، وكان أبوها حاكما للاقليم المعروف حالياً بمحافظة المنيا، وكان قصره الكبير موجودا في مدينه انتنيوبولس حيث يطل على النيل والحقول الخضراء.
كانت إزيدورا في ال16 من عمرها عندما قابلت حب عمرها الضابط المصري حابي عندما وقعت عيناها عليه لأول مرة في البر الغربي حيث يعيش، في مدينة خمنو (الاشمونين حالياً)، وكان من قوات الحراسة الموجودة في المدينة، فكانت إزيدورا تعبر النيل من البر الشرقي الي البر الغربي في إحتفالات الخاصة بـ «تحوتي» رمز الحكمة والقلم في مصر القديمة، وهناك قابلت الضابط حابي فتعلقت به وأرادات أن تتجاذب معه أطراف الحديث بسؤاله عن معني اسمه هل هو كما كان الإعتقاد السائد أن حابي هو اله النيل ولكنه صحح لها المعلومة التي كانت تعرفها جيدا بأن حابي هو إله الفيضان، وعندها سألها عن إسمها بدوره فقالت له أن إزيدورا معناها هبة إيزيس وأن مصر هي البلد التي عاشت و ستموت و تدفن فيها بل أنها مصرية كالنيل الذي يجري و حابي الذي يغمرنا بفيضه فافتتن بها وأصبح هو حابي الذي يغمرها بفيضه.
ظلا يتقابلان كل يوم وكل ليلة فكانت تذهب لتلاقيه عند البحيرة وكان يأتي ليراها بجوار قصر أبيها لمدة ثلاث سنوات من الحب الصادق، حتي علم أبوها بذلك وقرر أن يمنع هذا الحب من أن يستمر ففي عرفه لا يجب أن ترتبط إبنته ذات الأصول الإغريقية بشاب مصري.
كلف الحراس بتتبعها أينما ذهبت، وأن يمنعوا ذلك الشاب من مقابلتها ويمنعوها إذا قابلته، وبالفعل تم تضييق الخناق فضاقت أرض مصر بما رحبت، ورغبت في لقائه ولم تستطيع ظلت تحاول وتحاول، وظل حابي حابي يحاول ان يتسلل الي مكان لقائهم حول القصر وفشلا، حتي جاء اليوم الذي تمكنت فيه إزيدورا من مغافلة الحراس، وذهبت عند ذات مكان لقائهم في البر الغربي، وإنتظرت حابي حتي جاء وجلست معه تنظر اليه كأنها أول و أخر مرة تراه بل إنها كانت نظرة وداع أكثر من كونها نظرة إفتقاد، لم تخبره بما تنوي فعله، وهو لم يتوقع حدوث ما حدث فبعد أن همت بالرحيل و العوده الي سجن والدها ودعت حابي، وإتجهت بمركبتها نحو البر الشرقي حتي منتصف النهر ولوحت له وداعا وألقت نفسها في النيل مودعة الدنيا و حابي و من ظلموها، لم يستطيع حابي أن ينقذها و لم يستطيع أيضا أحد الحراس ان يفعل.
وعندما أخرجوها من النيل كانت قد ماتت، ندم والدها أشد الندم و أمر بتشييد مقبرتها وأن تحنط و تدفن في البر الغربي وقام بكتابة المرثيتين الحزينتين قال فيها أيتها الصغيرة الجميلة… أيتها الطيبة البريئة… والزهرة الناضرة… التى ذبلت فى ربيع العمر… ياملاكى الطاهر الذى رحل دون وداع.
أما حبيبها فكان مخلصا ووفيا لم يتزوج، وكان يذهب كل ليلة يشعل شمعة بداخل مقبرتها حتى لا تبقى روحها وحيدة، وظلت روحها وحيدة من بعده، حتي ظهر محب جديد لها وهو عميد الادب العربي الدكتور طه حسين فكان يختلي لمدة ثلاثة أشهر من كل عام، ونسجت إشاعات كثيرة حول هذا الاختفاء حتي كشف عن الحقيقة فى عيد الحب ،حيث كان هذا الإختفاء إختيارى ليقيم فى استراحته بجوار مقبرة إيزادورا كان يتوجه لمقبرتها قبل غروب الشمس لينير “المسرجة” الموجودة داخل المقبرة، كما كان يفعل حابي بعد وفاتها حيث كان يسير إلى مقبرتها لعدة كيلو مترات ليضئ الشموع ليشعل حرارة الحب الخالد من جديد.
أصبحت مزارًا عالميًا يقصده ملايين الزوار من الأجانب أكثرهم من الألمان وبل أيضا مزارًا للبسطاء الذين يحضرون وخاصة أيام الجمعة للتيمن بها وزيارة شهيدة العشق، والتي لقبت بعد ذلك بعذراء النيل.




