
وُلدت ماري كويني في بيروت في زمن كانت تعصف به الحروب، وسط أسرة بسيطة تعتمد في رزقها على قطعة أرض يمتلكها والدها. لم يكد وعي الطفلة يتفتح على الحياة حتى وجدت نفسها يتيمة الأب، وهو الحدث الذي غيّر مسار حياتها مبكرًا. حاولت الأم أن تجمع بين دور الأب والأم في آن واحد، إلّا أنها بعد فترة أدركت ثِقل المسؤولية، فوجدت أن لا شيء يربطها بلبنان، خصوصًا بعد إلحاح شقيقتها المنتجة الكبيرة آسيا داغر على أن تنتقل للعيش معها في مصر، حيث فرص الاستقرار والعمل أكبر.
استجابت الأم للنصيحة، وانتقلت مع ماري إلى القاهرة، وهناك التحقت الفتاة بالمدرسة. كانت ماري بطبعها خجولة وانطوائية على النقيض من أختها التي عُرفت بشقاوتها وجرأتها، وظنّت الأم أن المدرسة قد تُخرجها تدريجيًا من قوقعتها، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث. فلم تشارك في نشاط، ولا انخرطت في صداقات، مكتفية بالذهاب إلى المدرسة والعودة إلى البيت.
ومع مرور الوقت، نجحت أختها في إقناعها بأن تخرج معها ومع صديقاتها، محاولةً إنقاذها من عزلتها. وافقت ماري بعد ترددٍ طويل، لكن تجربتها القصيرة مع “الشقاوة” لم تدم، بعدما تعرضت لحادثتين شكّلتا نقطة تحوّل في حياتها.
الحادثة الأولى وقعت حين ذهبت مع أختها وصديقاتها إلى الكنيسة، وهناك وجدن شجرة جوافة في الحديقة، فأغرى الأمر بعض الفتيات بمحاولة قطف الثمار، لكن حارس الكنيسة ضبطهن، وكان نصيبهن “علقة” لن تُنسى. أما الحادثة الثانية فكانت حين شاهدت ماري فتاة تضرب أختها أمام المدرسة، فانطلقت الأخت في مطاردة المعتدية، وماري خلفها تحاول حمايتها، إلى أن احتمت الفتاة ببيت قريب. دخلت أخت ماري وأبرحتها ضربًا، ثم هربت، بينما خرجت والدة الفتاة تبحث عمن تعاقبه، فلم تجد سوى ماري الهادئة، التي تلقت علقة موجعة لم تستطع نسيانها.
بعد هاتين التجربتين، أيقنت ماري أن للشقاوة ثمنًا باهظًا، فعادت إلى انطوائها، مكتفية بعالمها الصغير. لكن خالتها آسيا، التي راقبتها جيدًا، قالت ذات يوم: “لقد وجدت الحل لها.”
كان عمر ماري آنذاك ثلاثة عشر عامًا، فرشّحتها آسيا لدور صغير في فيلم “غادة الصحراء” عام 1929. قاومت ماري في البداية بسبب خجلها، لكن تشجيع الأسرة جعلها تُجرب، وكانت تلك أولى خطواتها نحو الفن. وبعد عامين فقط، أسندت إليها آسيا دورًا أكبر في فيلم “وخز الضمير”. وهناك، تعرّفت على المخرج والممثل أحمد جلال، الذي كان يكبرها بتسعة عشر عامًا. وعلى الرغم من فارق العمر، نشأت giữaهما قصة حب عميقة، قالت عنها لاحقًا: “كنت تلميذة له… أتعلم منه كل شيء في الفن والحياة.”
كانت تلك الفترة أجمل سنوات حياتها، خاصة بعد أن رُزقت بابنها نادر. لكن القدر فاجأها برحيل أحمد جلال بعد سبع سنوات فقط من الزواج، فعادت إليها الوحدة من جديد. وعلى الرغم من استمرارها في التمثيل والإنتاج وتحقيق نجاحات كبيرة، إلا أن داخلها ظل يشعر بأن شيئًا ما ناقص… ذلك الشيء كان وجود جلال بجانبها، رفيق حياتها وفنان روحها.
وهكذا، تشكّلت شخصية ماري كويني بين اليُتم المبكر، والخجل القاسي، والشجاعة التي جاءت بها السينما، لتصبح واحدة من أبرز جميلات الشاشة المصرية، وصانعة من صنّاع نهضتها الفنية.




