
مذكرات شادية (1) ..أنا عفريته
أتذكر إنشاص كما لو كانت حلماً أخضر لا يزول من ذاكرتي. كانت الحقول تمتد بلا نهاية، واللون الأخضر يغمر الأرض حتى خُيّل إليّ أنه اللون الطبيعي للعالم. في كل ناحية أشجار مثقلة بالبرتقال والعنب، ورائحة الزهور تعبق في الجو، تشهد على جمال الطبيعة وصفائها.
كان منزلنا فيلا صغيرة أنيقة، تتكون من غرفتين وصالتين ومطبخ وحمام، ولها بابان: أحدهما يطل على الحديقة، والآخر يؤدي إلى المزرعة. هناك، فتحت عيني على الطفولة الهادئة والحياة الريفية التي ملأت وجداني فيما بعد.
كنت أحب السهر بجوار أمي، أضع رأسي في حجرها، أستمع إلى همساتها وصوتها الحنون، بينما إخوتي طاهر ومحمد وعفاف وسعاد يخلدون إلى النوم مبكرًا. كنت أستمتع بالأصوات من حولي، وما زلت حتى اليوم لا أستطيع النوم دون أن يصاحبني صوت الراديو.
وفي الليالي، كنت أسمع وقع خطوات أبي وهو يهبط درجات السلم بعد عودته من عمله كمهندس زراعي في التفاتيش الملكية بإنشاص. كنت أتظاهر بالنوم حتى أسترق السمع إلى حديثه مع أمي، فأسمع تلك الرقة المتناهية التي يتحدث بها إليها. كان أبي يتكلم معها كما لو أنه يهمس للنسيم، ومنه تعلمت أن القوة لا تنفصل عن الرقة، وأن الشخصية الحقيقية هي التي تجمع بين الاثنين.
أخذت عن أبي حب الغناء أيضًا. كان صاحب صوت جميل، يحب أن يغني مع أصدقائه في الحديقة، ومع نسمات الصباح كانت أصواتهم تمتزج بصوت الطيور. أما أنا، فكنت أقضي وقتي في غرفة العرائس الخاصة بي، حيث كونت أسرة كاملة من الدمى التي كان أبي يجلبها لي كلما عاد من القاهرة.
لكن رغم كل هذا الهدوء، كنت طفلة شقية، يلقبونني دائمًا بـ”العفريتة”. كنت أبحث عن أي فرصة للعب والمشاكسة. وعندما تزوجت شقيقتي عفاف، شعرت بسعادة خفية، ليس فقط لأنها وجدت شريك حياتها، بل لأن غيابها جعلني محور اهتمام العائلة، فلم يعد هناك من يزاحمني على الأضواء!
وفي أحد الأيام، جمعت قريبتي التركية “تيزة حكمت” نساء العائلة في منزلنا، وكانت بارعة في العزف على العود. جلست بين الحاضرات وأعلنت أن “فاتوش” — وهو اسمي التركي فاطمة — ستغني. ترددت لحظة، ثم بدأت أغني “بتبص لي كده ليه”، ورأيت في عيونهن إعجابًا لم أنسه حتى اليوم. كانت تلك اللحظة أول اعتراف حقيقي بصوتي، وبأن الغناء يسكنني منذ طفولتي.
أما المدرسة، فلم أكن فيها متفوقة. كانت مادة المحفوظات هي الوحيدة التي أجد فيها النجاح، ليس لذكائي، بل لحب أبلة ليلى، مدرسة المحفوظات، لصوتي. ذات يوم طلبت مني أن أغني أمامها الأغنية نفسها، فرأيت على وجهها تأثرًا غريبًا، كأنها تعيش قصة حب سرية. ومن يومها صارت تحتجزني بعد انتهاء الدرس لتسمعني أغني مرة بعد مرة، وكانت تلك بدايتي الصغيرة مع الجمهور الأول في حياتي.
وحدث يومًا أن أخذتني أبلة ليلى إلى غرفة الناظرة، تلك السيدة الصارمة التي كنت أخافها كثيرًا، فارتجف قلبي وظننت أني سأُعاقب. كنت أمشي خلفها متسائلة: لماذا؟ ألهذا الحد أغضبتها أغنيتي؟ ولم أكن أدري أن ما ينتظرني لم يكن عقابًا… بل أول خطوة نحو قدر لم أتخيله يومًا.
يتبع…




