
لطالما كان للشيخ محمد متولي الشعراوي مكانة خاصة في قلبي، فقد كنا نتابعه على شاشة التليفزيون بشغف وإعجاب، وسبحان الله، شعرت وكأن وجوده كان يسكن داخلي منذ الطفولة. لم أتخيل أبدًا أنني سألتقي به وجهًا لوجه، لكن القدر شاء أن يحدث ذلك. حين قابلته لأول مرة، ناداني قائلاً بصوته الدافئ: “تعالى يا سي حسن”، وكانت كلمة “يا سي” من خصائصه التي يستخدمها عند مخاطبة أي شخص، وقد أضفت شعورًا بالاحترام والود في آن واحد.
لم أتمالك نفسي، فتقدمت إليه وقلت: “أريد أن أتكلم معك”، فابتسم لي وأعطاني رقم هاتفه، وأضاف: “أنا أفطر كل يوم تحت التوتة من الساعة التاسعة وحتى الحادية عشرة، تعالى”. كانت تلك الدعوة بمثابة فتح باب جديد في حياتي، لم أكن أعلم أنه سيقلب مفاهيمي ويغير مجرى أعمالي الفنية بالكامل.
في أحد الأيام، ذهبت إليه في الموعد المحدد، وجلست أفطر معه. كان الجو هادئًا، والابتسامة لم تفارق وجهه، لكن داخلي كان يعصف به الاضطراب والتساؤلات: هل ما أقدمه من أعمال صحيح أم خاطئ؟ هل ما أقدمه من فن يتماشى مع قيم الدين؟
بدأت أسأله مباشرة، قلت له: “يا مولانا، أنا حائر… هل ما أفعله حرام أم حلال؟” ابتسم الشيخ الشعراوي ولم يعطني ردًا مباشرًا، فهو دائمًا يترك للمتلقي مساحة لاستنباط الإجابة من خلال القصص والحكايات.
أشار إلى الكوب الذي أمامنا، وسألني: “ما الذي في هذه الكوبية؟” أجبت دون تردد: “شاي”، فرد قائلاً: “في نفس الوقت الذي نحن فيه نشرب شاي، هناك شخص آخر في العالم يشرب خمرة… ما ذنب الكوبية؟” صمت قليلاً ثم أضاف: “هذه هي الحياة والفن، أنت تستطيع أن تضع فيه شاي أو خمرة، فالمسألة تتعلق بما تختاره أنت وما تريد أن يراه الناس”.
توقف قليلاً، ثم نظر إلي قائلاً: “كما تستخدم في الأفلام سيارة لتخطف بها أنظار البنات، يمكنك أيضًا أن تعلم الشباب شيئًا ينفعهم ويستفيدون منه”. كانت تلك الجملة كالصاعقة، شعرت وكأن شيئًا ما تغير داخلي تمامًا.
منذ تلك اللحظة، قررت أن أعيد النظر في طبيعة الأعمال التي أقدمها، وأن أختار بعناية ما يتماشى مع قيمي ومبادئي. لم يعد الهدف مجرد الشهرة أو الإثارة، بل أصبح لدي التزام أخلاقي تجاه فني وجمهوري، أن أقدم ما ينفع الناس ويعلمهم خيرًا، وأن أستغل قدراتي في صناعة فن هادف.
وبالفعل، بدأت رحلة جديدة من الاختيار الواعي للأدوار والأعمال، مراعيةً الرسالة التي أراد الشيخ الشعراوي أن يوصلها: أن الفن ليس مجرد تسلية أو تسويق للشهرة، بل أداة يمكن أن تصنع الفرق، وأن كل قرار صغير في مسار الفنان يمكن أن يحمل قيمة كبيرة تؤثر في حياة الآخرين.
ومن هنا، يمكنني القول إن نصيحة الشيخ الشعراوي لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت نقطة تحول حقيقية في حياتي الفنية والشخصية، وأصبحت الموجه الحقيقي الذي أستند إليه في كل خطوة أخطوها على طريق الفن.


