
في عالم السينما المصرية، تظهر أحيانًا مشاهد صغيرة بحجمها لكنها هائلة الأثر، تشعل الفيلم كله، وتصبح محور النقاش بعد عرضه. هذا ما حدث في فيلم “عايز حقي”، الذي كتبه طارق عبد الجليل، شقيق الفنان عمرو عبد الجليل، والمستوحى من قصة للساخر الكبير يوسف عوف، زوج الفنانة خيرية أحمد.
الفيلم يناقش قضية بيع المال العام والخصخصة، ويبرز الصراع بين قيم العدالة والربح الفردي في مجتمعٍ يفتقد أحيانًا للبوصلة الأخلاقية. المشهد الأكثر تأثيرًا في الفيلم يتناول راجلًا كبيرًا فقد ابنه في الحرب، ورفض بشكل قاطع فكرة بيع الممتلكات العامة. فلسفته بسيطة وعميقة: “لو هتبيع دلوقتي وتوزع الفلوس على اللي عايشين في البلد، الناس اللي ماتت علشان البلد كدا ماخدتش حاجة وعمرها راح بلاش”.
على الرغم من أن المشهد قصير، إلا أنه يمثل قلب الفيلم وروحه. في البداية، اعتقد فريق العمل أن الدور بسيط ولا يحتاج إلى ممثل كبير، لكنهم كانوا بحاجة إلى شخصية يمكنها أن تمنح المشهد الوزن الثقيل والعمق النفسي المطلوب. هنا جاء دور عبد المنعم مدبولي، الذي طلب منه فريق العمل أن يقوم بالمشهد، قائلاً له إنه مشهد واحد فقط.
مدبولي في البداية شعر بالاستياء، فقد اعتاد على الأدوار الكبيرة والممتدة، ولم يقتنع بكون هذا المشهد بمثابة مركز الفيلم كله. لكن بعد إقناع هاني رمزي له بضرورة قراءة النص، أدرك أهمية الدور وتأثيره الكبير، ووافق على الفور. أثناء قراءته للمشهد، شعر بأن هذه الشخصية هي عصب الفيلم، وأنه لا يمكن لأي ممثل آخر أن يؤديه بنفس القوة.
المشهد يحكي قصة رجل يتمسك بالمبادئ رغم الخسارة الشخصية والألم العميق، ويرفض أن يُهان تضحيات الذين فقدوا حياتهم من أجل الوطن، ليصبح صوت العدالة في مواجهة الجشع والطمع. وبفضل الأداء الرائع لعبد المنعم مدبولي، تحول هذا المشهد إلى أيقونة من أيقونات الفيلم، وأصبح حديث الجمهور والنقاد بعد العرض.
الفيلم نفسه لم يكن مجرد عمل سينمائي، بل كان موقفًا سياسيًا فنيًا من موجة الخصخصة التي بدأت الدولة المصرية فيها خلال فترة حكم مبارك، حيث تم بيع العديد من القطاعات العامة، وغابت العدالة في توزيع الثروات، وأصبحت العملية أداة للثراء الشخصي على حساب المواطنين. الفيلم أعاد للأذهان القيم الضائعة، وطرح تساؤلات أخلاقية واجتماعية حول مفهوم الملكية العامة والعدالة في إدارة البلاد.
نهاية الفيلم، كما صاغها فريق العمل بالتعاون مع عبد المنعم مدبولي، حملت رسالة قوية: الرجل الكبير يوقف بيع المال العام، متمسكًا بمبادئه رغم كل الضغوط المحيطة به. هذه النهاية كانت اختيارًا متعمدًا ليظهر كيف يمكن للشخصية الواعية أن تواجه الفساد والجشع، حتى وإن بدا أن القرار فردي وصعب التنفيذ.
الفيلم صدر في عام 2003، ولاقى اهتمامًا واسعًا، ليس فقط لجودة الأداء وتميز النص، بل لأنه عكس حالة المجتمع في ذروة بيع المال العام، وأظهر أن الفن يمكن أن يكون مرآة للواقع، ووسيلة للتوعية والتأمل في القيم الاجتماعية والسياسية. المشهد القصير، الذي لم يتجاوز دقائق معدودة، أصبح مثالًا حيًا على أن قوة الأداء والفكرة يمكن أن تحرك المجتمع وتثير النقاش حول القضايا المصيرية.
في النهاية، “عايز حقي” لم يكن مجرد فيلم عن خصخصة المال العام، بل تحفة فنية تسلط الضوء على الصراع بين المبادئ والمال، وبين العدالة والجشع، لتظل رسالة الفيلم حية في أذهان المشاهدين، وتؤكد أن السينما المصرية قادرة دائمًا على الجمع بين الترفيه والرسالة العميقة.




