
في إحدى الليالي الهادئة، جلس محمد عبدالوهاب في بيته محاطًا بأصدقائه المقربين، وكان الحديث قد أخذ منحى مختلفًا حين كشف عن جانب خفي في شخصيته، جانب لا يعرفه كثيرون، وهو أنه كاد أن يصبح سفيرًا رسميًا لمصر، لولا خوف واحد فقط: الخوف من ركوب الطائرات.
بدأت القصة حين نشبت أزمة فنية كبيرة بين شركة “صوت الفن” والمطربة نجاة الصغيرة، فتدخل عبدالوهاب، ليس فقط الفنان الكبير، بل الحكم الدبلوماسي الذي يمتلك القدرة على تهدئة العواصف وحل الخلافات. لم يكن مجرد موسيقار مرموق، بل عقلية سياسية اجتماعية مدهشة، قادرة على بناء الجسور بين المختلفين، والتعامل مع أعقد المواقف بأقصى درجات الذكاء واللباقة.
كان الوسط الفني يعج بالخلافات الزوجية والمهنية، مليئًا بالتعقيدات التي تحتاج إلى حكمة ودبلوماسية، وكان عبدالوهاب دائمًا هو المنقذ، يطفئ النيران ببساطة وهدوء، ويخرج منها منتصرًا، محتفظًا بمحبّة الجميع. هو يعرف تمامًا أنه يملك هذه الموهبة، لكنه نادرًا ما تباهى بها، حتى كشفها يومًا دون قصد.
في تلك الجلسة، حكى لأصدقائه أنه منذ نحو عشر سنوات، وبعد أن فكّر جديًا في الاكتفاء برصيده الفني العظيم، عرض عليه أحد كبار المسؤولين أن ينضم إلى السلك الدبلوماسي، باعتباره شخصية ذكية، لبقة، مثقفة، وعلى دراية بالسياسة، فضلًا عن اسمه اللامع وشهرته الواسعة. وبالفعل، لم يُبدِ اعتراضًا، بل شعر داخل نفسه أن هذا الدور يليق به، بل ويحبه، فهو يرى في مهنة السفير مهنة نبيلة، تجمع بين العقل والرقي، وتهدف إلى توثيق الحب والصداقة بين الشعوب.
هنا سأله أصدقاؤه: “إذا كنت محبًا للمهنة ومناسبًا لها، فلماذا لم تقبل؟”
ابتسم عبدالوهاب وأجاب إجابة صدمت الجميع: “رفضت بسبب خوفي من ركوب الطائرات.”
عمّ الذهول المكان، وراح الأصدقاء يتساءلون: هل يُعقل أن يمنعه هذا الخوف من منصب دبلوماسي يليق به؟ لكنه أوضح قائلاً:
“السفير يجب أن ينتقل من بلد إلى آخر بسرعة، ولا يمكنه الاعتماد على الباخرة أو السيارة، خاصة حين تكون المهمة عاجلة أو رسمية. ماذا لو كان عليّ إيصال رسالة مستعجلة خلال ساعات؟ أو مرافقة رئيس الدولة في طائرته؟ هل أقول له: تفضل أنت بالطائرة، وسألحق بك مشيًا على الأقدام؟”
كان عبدالوهاب سفيرًا، نعم، لكنه سفير من نوع مختلف: سفير الفن والعقل والذوق الراقي إلى قلوب الناس، لا إلى مباني السفارات.
ولعل الطائرة التي خاف منها، لم تمنعه من التحليق، بل جعلته يحلّق أعلى من الجميع، ولكن بأجنحة الموسيقى لا بأجنحة الحديد.




