
في عالم الفن، حيث تختلط الأضواء بالمشاعر، وتتعانق الشهرة مع الحساسيات الإنسانية، كانت أسمهان حالة خاصة لا تتكرر. لم تكن مجرد مطربة ذات صوت ملائكي، بل كانت أيضًا أميرة تحمل في داخلها كبرياء النسب واعتزاز الدم الملكي. ومن أكثر المواقف التي أثارت الجدل في مسيرتها، أنها رفضت الغناء في حفلات مخصصة للسيدات فقط، بينما لم تكن تتحرج من الغناء أمام الرجال، بل تغني بكل شغف وثقة. فما السر؟ ولماذا كانت تُظهر أمارتها أمام النساء فقط؟
الحكاية كما ترويها أسمهان بدأت في إحدى أمسيات القاهرة الراقية، حين دُعيت للغناء في قصر صديقتها الأرستقراطية أمينة البارودي، إحدى سيدات المجتمع الراقي آنذاك. قبل الحفل، وجلوسًا في ركن من صالون القصر، تحدثت السيدات عن الأناقة والفساتين، فقالت أسمهان ببساطتها المعهودة: “أنا يعجبني الفساتين الزاهية اللون”.
كانت الجملة عادية، لكن رد إحدى السيدات كان أقسى مما يحتمل قلب أسمهان. فقد ضحكت باستهزاء وقالت: “طبعًا، أنتِ فنانة، والفنانات لا تعجبهن إلا الألوان الفاقعة. أما نحن بنات العائلات فلا نرتدي إلا الألوان الهادئة الوقورة”.
كان وقع الكلمات أشبه بطعنة في كبرياء أسمهان. وقفت في وسط الصالون، وشرر الغضب يتطاير من عينيها، وقالت بصوت عالٍ:
“ومن قال لك أنني لست من بنات العائلات؟ أنا يا عزيزتي أميرة، ابنة بيت لا يضاهيه حسب ولا شرف. وليس بينكن من تملك ما أملك من نسب!”
حاولت أمينة البارودي تهدئتها، لكن أسمهان كانت قد تخطّت حدود الغضب. هاجمت السيدة بأشد العبارات، ثم التقطت حقيبتها وغادرت القصر، تلحق بها فرقتها الموسيقية، تاركة خلفها صالونًا مشتعلاً بالدهشة والهمس.
منذ ذلك اليوم، اتخذت أسمهان قرارًا حاسمًا: لن تغني في حفلة تحضرها النساء فقط. لم تكن المشكلة في الغناء أمام سيدات المجتمع، بل في نظرات التعالي، وفي شعورها بأن هؤلاء النسوة يرين فيها فنانة تُسلّيهن، بينما هي — في قرارة نفسها — أميرة لا تتنازل لترفّه عن غيرها، خصوصًا من يتعامل معها بفوقية أو استصغار.
أما مع الرجال، فقد كانت تغني براحة وثقة، لأنهم — في رأيها — لا ينافسون النساء في تلك التفاصيل الاجتماعية الدقيقة، ولا يحاولون انتقاص نسبها أو التقليل من مكانتها. كانت تشعر أمامهم بأنها فنانة تُقدّر، لا امرأة تُقَيَّم.
وهكذا، لم يكن رفض أسمهان للغناء أمام النساء مجرد نزوة أو غرور، بل كان دفاعًا عن هويتها، ورفضًا لأن تتحول — برأيها — من أميرة وأنثى حرة إلى مجرد مطربة في صالون نسائي مقيّد بالمظاهر.
تلك كانت أسمهان.. مزيجًا من الفن والنسب، من الرقة والاعتزاز، ومن الصوت الذي يطرب القلوب، والقلب الذي لا يقبل الانكسار.




