توب ستوريخارجي

كيف ترجم أحمد رامي رباعيات الخيام… ولماذا حذف “الحان” و“الخمر”؟

لم تكن رحلة الشاعر الكبير أحمد رامي مع رباعيات عمر الخيّام مجرد نقل كلمات من لغةٍ إلى أخرى، بل كانت مغامرة فكرية وفنية طويلة بدأت من مقاعد جامعة السوربون حين قرر أن يدرس الفارسية خصيصًا ليبلغ روح النص الأصلي دون وسيط، بعد أن أدرك أن الترجمة عن الإنجليزية – مهما بلغت دقتها – قد تُفقد شيئًا من حرارة الإحساس ومعنى الحكمة الصوفية التي تتنفسها رباعيات الخيّام.

وقد صدرت الطبعة الأولى لترجمة رامي في القاهرة سنة 1924، وكانت لحظة فارقة في تاريخ تلقي الأدب الفارسي في العالم العربي.

 

بين الخيّام وفِتزجرالد… ورحلة الروح

يروي توحيد رامي، نجل الشاعر الكبير، في مقدمة الطبعة الخامسة والعشرين من الرباعيات، أن النص ظل حبيس الكتب والمكتبات قرونًا طويلة، حتى أعاد الشاعر الإنجليزي إدوارد فتزجرالد إحياءه بترجمته عام 1859، فبدأت بعدها موجة واسعة من الترجمات إلى لغات العالم.

لكن رامي أحسّ أن الترجمة عن ترجمة لا تكفي، وأن روح الخيّام – في تأملاتها الوجودية وشعريتها البديعة – تحتاج من ينهل من نبعها الأصلي، فقرر أن يعود إلى الفارسية ليصنع ترجمة “بالعاطفة قبل الحروف”.

 

أم كلثوم… واللحظة التي صارت خالدة

بلغت رباعيات رامي ذروة حضورها في الوجدان العربي حين غنتها أم كلثوم عام 1950، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي على مقام الراست. تحوّل مطلع القصيدة إلى أيقونة خالدة تتردد في وجدان كل الأجيال:

 

سمعتُ صوتًا هاتفًا في السحر

نادى من الغيب غفاة البشر

هبّوا املأوا كأس المنى

قبل أن تملأ كأسَ العمر كفُّ القدر…

 

لماذا حذف رامي كلمتي “الحان” و“الخمر”؟

في لقاء تلفزيوني نادر مع الإعلامي طارق حبيب، كشف أحمد رامي جانبًا من أسرار الترجمة. فقد أوضح أنه عدّل كلمتين أساسيتين في مطلع الرباعيات، رغم التزامه الحرفي الشديد ببناء النص وروحه.

الكلمة الأولى كانت “الحان”، إذ كان النص الأصلي يقول:

“نادى من الحان غفاة البشر”.

فاستبدلها رامي بـ “الغيب”، معتبرًا أن كلمة “الحان” تُلقي ظلالاً حسية لا تناسب الجو الصوفي الذي أراد أن تتغنى به أم كلثوم.

 

والتغيير الثاني كان في قوله:

“هبّوا ملأوا كأس الطلا”

والطلا تعني الخمر بالفارسية.

غيّرها رامي إلى: “كأس المنى”، لأن ظهور كلمة “الخمر” – على حد تعبيره – لم يكن لائقًا بصوت أم كلثوم وصورتها الفنية، خصوصًا أن الأغنية ستُقدَّم لجمهور واسع يتذوق الشعر بالفطرة.

 

لم يكن التعديل تبرؤًا من الخمر كرمز صوفي، بل كان مراعاة لثقافة المستمع، وللحدود الفنية التي تحيط بظهور سيدة الغناء العربي.

 

ترجمة بروح شاعر… لا مترجم فقط

ترجمة رامي لم تكن مجرد نقل لمعنى، بل كانت إعادة خلق.

لقد حافظ على البنية الفلسفية للرباعيات، وعلى نبرة التساؤل عن المصير والقدر وعبثية الحياة، لكنه صاغها بلغة عربية مشبعة بالموسيقى والجزالة، فبدت الرباعيات وكأن الخيّام كتبها خصيصًا للعربية.

 

وتكشف الأبيات التي غنّتها أم كلثوم – وفيها التأمل، والحكمة، والوجد، والحيرة الوجودية – عن شاعر استطاع أن يوازن بين أمانة النص الأصلي وذوق الجمهور واعتبارات الفن.

 

الرباعيات… بين الفن والخلود

من “لا تشغل البال بماضي الزمان” إلى “أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب”، ومن “أفق خفيف الظل هذا السحر” إلى التساؤل العميق “يا من يحار الفهم في قدرتك”…

استطاع رامي أن يجعل من الرباعيات واحدة من العلامات الأبدية في الشعر العربي المغنّى، وجعل من صوت أم كلثوم طريقًا يتجدد عبره حضور الخيام في الذاكرة.

 

إن قصة ترجمة رامي ليست مجرد حدث أدبي، بل فصل كامل في تاريخ الموسيقى العربية، وفي فهم العلاقة بين النص وروحه، وبين الشاعر والجمهور، وبين الفن والقداسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى