
قبل أيام قليلة من الاحتفال بعيد الأم عام 1958، خطرت للسيدة زينات الجداوي – رئيس لجنة تنظيم الاحتفال – فكرة أن تُخصص الإذاعة المصرية أغنية جديدة تُذاع في ذلك اليوم، تكون تحية لكل أم مصرية وعربية. عرضت اقتراحها على المسئولين، فوافقوا فورًا، وقررت الإذاعة أن تتولى إنتاج الأغنية، بينما أعلنت أكثر من مطربة استعدادها لتقديمها دون مقابل، تقديرًا لمعنى الأمومة.
توجهت زينات الجداوي إلى الموسيقار محمد عبدالوهاب طالبة مشاركته في المشروع. وما إن سمع الفكرة حتى قال لها بحسم: “أنا موافق”. ثم التقط الهاتف واتصل بالشاعر حسين السيد قائلاً له: “عايزك تكتبلي أغنية للأم.. تكون صادقة وناعمة وقريبة من القلب”. لم يتردد حسين السيد، وانصرف إلى كتابتها في جلسة واحدة تقريبًا.
وعندما عاد بالكلمات إلى عبدالوهاب، لحن الأخير مطلع الأغنية في دقائق قليلة، فقد كانت الجملة الشعرية ولمستها العاطفية كفيلتين بإيقاد شرارته الفنية. وما إن انتهى حتى اتصل بزينات الجداوي قائلاً: “الكلمات جاهزة.. واللحن اتعمل.. وأفضل من تغنيها هي فايزة أحمد”. وبالفعل اتصلت زينات بفايزة، وذكرت لها أن عبدالوهاب رشّحها شخصيًا. وافقت فايزة دون تردد، ثم أغلقت الخط واتصلت بعبدالوهاب الذي قال لها باختصار: “تعالي فورًا”.
وصلت فايزة أحمد إلى بيت الموسيقار، وبصحبتها زوجها. جلست تستمع إلى اللحن الذي خرج للتوّ من بين أصابعه. لكن الفنانة الكبيرة، بحسها المرهف، طلبت تعديل بعض العبارات في الكلمات لتناسب أداءها وطريقتها في الغناء. اتصل عبدالوهاب بحسين السيد، فجاء إلى البيت في الحال، وناقش الأمر بهدوء، ثم عدّل بعض الكلمات بالفعل، بينما أجرى عبدالوهاب تغييرات بسيطة على اللحن بما يتوافق مع النسخة المعدلة.
كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة فجرًا، لكن الشغف الذي سيطر على الجميع ألغى الشعور بالتعب والوقت. ومع أول خيوط الفجر، اتجه الثلاثي – عبدالوهاب، حسين السيد، وفايزة أحمد – إلى مبنى الإذاعة لتسجيل الأغنية.
تروي فايزة أحمد لمجلة الكواكب أن التسجيل الأول لم يُرضِ عبدالوهاب، ولا الثاني، ولا الثالث، حتى وصل العدد إلى 20 محاولة، من دون أن يشعر الموسيقار بالرضا. أدرك عبدالوهاب أن المشكلة في إمكانيات الاستوديو، فقرر الانتقال إلى استديو مصر بما يملكه من معدات صوتية متقدمة. ولم يكتفِ بذلك، بل استقدم فرقة موسيقية كاملة على نفقته الخاصة.
في استديو مصر سُجّلت الأغنية مرارًا حتى قال عبدالوهاب أخيرًا: “هكذا أريدها”. اتصل بزينات الجداوي ليخبرها أن الأغنية باتت جاهزة للبث.
وجاء يوم عيد الأم، فخرجت الأغنية إلى الناس للمرة الأولى. ولم تمضِ دقائق على انتهاء بثها حتى غمرت اتصالات المستمعين خطوط الإذاعة، مطالبين بإعادة الأغنية. تكرر بثها مرات ومرات، حتى اضطرت الإذاعة إلى تعديل خريطتها البرامجية ذلك اليوم، من كثرة الطلبات التي انهالت عليها.
وعندما سُئل محمد عبدالوهاب عن سر نجاح الأغنية، قال عبارته الشهيرة:
“السر أمي.. لم أرَ فيها أي عيب. وكلما نظرت إلى وجهها شعرت أنها أجمل سيدة في العالم”.
وأضاف: “كنت أشعر أن نجاح الأغنية لأن أمي هي التي لحّنتها، وأنا الذي غنيتها للناس”.
أما فايزة أحمد، فقد ربطت نجاح أدائها بتجربتها الإنسانية العميقة، قائلة:
“غنيتها بكل أعصابي.. فأنا أم لم أرَ ابنتي منذ ستة أشهر، وفي الوقت ذاته ابنة لأم أحبها من كل قلبي”*.
وهكذا تكوّنت واحدة من أكثر الأغنيات العربية صدقًا وخلودًا، لا على السلم كما تقول الحكايات الشعبية، بل في ليالٍ طويلة من العطاء، اجتمع فيها ثلاثة من كبار الفن على حب واحد… الأم.




