
في عالم السينما المصرية المبكرة، حيث كانت المغامرات الفنية تتداخل مع المخاطر الحقيقية، ظهر فيلم “فاجعة فوق الهرم” إنتاج 1928، ليشكل نموذجًا للأحداث المثيرة خلف الكواليس. الفيلم من بطولة النجم بدر لاما والفنانة فاطمة رشدي، واحتوى على مشهد درامي شديد الإثارة، تمثل في أن يقف بدر على صخور الهرم الكبرى قبل أن يقفز إلى الأسفل، بينما كانت فاطمة تصرخ وتولول عليه، كما يقتضي السيناريو.
قبل تصوير المشهد، حرص بدر لاما على اتخاذ جميع الاحتياطات لضمان سلامته، فاتفق مع مجموعة من الفلاحين القاطنين بالقرب من منطقة الأهرامات على المساعدة في تنفيذ المشهد. وقد فهم الفلاحون أن عليهم إمساك قماشة كبيرة موضوعة فوق مخدات لتكون وسادة ناعمة يمكّن بدر من الهبوط عليها دون أن يتعرض للأذى.
بدأت بروفة المشهد عدة مرات، حيث حرص بدر على التمرن على القفز من الصخر الأول حتى الصخر الأخير، مع مراعاة التوقيت الدقيق وتنسيق حركة الفلاحين. ومع بدء التصوير الفعلي، ظهرت مشكلة غير متوقعة، إذ اكتشف أن اثنين من الحراس الذين كانوا يمسكون القماشة لا يركزان في عملهما وينظران إلى الكاميرا، ما اضطر فريق العمل إلى إعادة المشهد مرة أخرى.
وعند المحاولة التالية، بينما كان بدر على استعداد للقفز، اندلعت خناقة بين اثنين من الفلاحين الذين يمسكون القماشة، ما كاد أن يعرض النجم للخطر لولا تدخل باقي الفريق لفصل المتشاجرين. وبعد هدنة سريعة وتصحيح الوضع، أُعيد التصوير للمرة الثالثة، وتمكن بدر من تنفيذ قفزته بنجاح، محققًا المشهد بدقة، لتبدأ فاطمة رشدي بالصراخ والولول حسب تعليمات السيناريو، مضيفة للدراما الواقعية التي أرادها المخرج.
لكن المفارقة لم تنتهِ هنا؛ إذ وسط فرحة بدر بانتهاء المشهد دون إصابة، فوجئ بتعليق طريف من أحد الحراس الذين كانوا يمسكون القماشة، حيث صاح في وجه فاطمة قائلاً: “بتصرخي ليه؟ هو جراله حاجة؟ ماهو زي القرد قدامك أهه!”، ما أضاف جوًا كوميديًا غير مقصود إلى كواليس المشهد المأساوي.
هذا المشهد ليس مجرد لقطة سينمائية، بل يوضح حجم التحديات التي كان يواجهها صناع السينما في تلك الفترة، حيث كان الاعتماد على مهارات الممثلين وفطنة الفريق المساعد أمرًا حاسمًا لتحقيق النتائج المطلوبة، مع أقل قدر ممكن من المخاطر. كما يعكس هذا الحادث روح التعاون بين الفنانين والفلاحين المحليين، الذين أصبحوا جزءًا من صناعة السينما في مصر منذ بداياتها، وساهموا في خلق لحظات سينمائية لا تُنسى.
من خلال هذا المشهد، يظهر بدر لاما ليس فقط كممثل محترف، بل كبطل حقيقي يتحمل المخاطر لإتمام عمله، بينما تضيف فاطمة رشدي بصدقيتها وحيويتها بعدًا إنسانيًا للدراما. وفي النهاية، يمكن القول إن كواليس “فاجعة فوق الهرم” كانت مليئة بالمفاجآت، تجمع بين الإثارة والتحدي والطرائف غير المقصودة، لتترك أثرًا خالدًا في تاريخ السينما المصرية المبكرة.




