توب ستوريفن

عندما تحوّل الفن إلى فخ سياسي للإيقاع بمختار عثمان

في ليلةٍ محمومة بالتوتر والترقب، شُرعت الأبواب على واحدة من أكثر القضايا إثارة في ثلاثينيات القرن الماضي، عُرفت لاحقًا باسم “ليلة القبض على مختار عثمان”. لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل خُطة سياسية مُحكمة وضعت للإيقاع برجل لم يقترف ذنبًا سوى أنه اختار طريق الفن على حساب تقاليد العائلة ونفوذها.

 

مختار عثمان، أحد أعمدة فرقة يوسف وهبي، وصاحب موهبة استثنائية مكنته من التنقل بين الكوميديا والتراجيديا ببراعة نادرة. كان يوسف وهبي يعدّه صديق العمر، ويؤكد أنه من أوائل من حملوا فرقة رمسيس على أكتافهم. غير أنّ موهبته لم تكن وحدها محط الأنظار، بل نسبه العريق إلى واحدة من أكبر عائلات الصعيد، عائلة محمد محمود باشا، رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ورئيس الوزراء لأكثر من مرة.

 

لكن الفن لم يكن مرحّبًا به داخل تلك العائلة المحافظة، فاعتبروا عمله في التمثيل “تشخيصًا” يسيء إلى سمعة الأسرة ومكانتها السياسية. حاول محمد محمود باشا مرارًا أن يُثني ابن عمّه عن الاستمرار، وعرض عليه منصبًا في البرلمان إذا ترك المسرح، لكنه رفض قائلًا: “لا شيء سيبعدني عن التمثيل”. ومنذ تلك اللحظة تبرأت منه العائلة، واستقل مختار بحياته في القاهرة.

 

لم تتوقف الأمور عند حدود القطيعة الأسرية، بل تجاوزتها إلى فخ سياسي خبيث، حين دب الخلاف بين محمد محمود باشا وإسماعيل صدقي رئيس الوزراء، فانفرط عقد الائتلاف الوزاري، وانسحب وزراء الأحرار الدستوريين من الحكومة. حينها قرر صدقي الانتقام بطريقة غير مباشرة، عبر تشويه صورة محمد محمود باشا من خلال إقحام ابن عمه الفنان في فضيحة أخلاقية.

 

وُضع مختار تحت مراقبة دقيقة، ورُصدت تحركاته وسهراته، كما تم اختراق دائرة أصدقائه. أحد الأعوان تقرّب من مختار حتى أصبح يدخل حجرته في مسرح رمسيس دون استئذان. وفي ليلة خُطط لها بعناية، وأثناء عودة مختار مع رفاقه، حاصرتهم سيارة شرطة، وتم تفتيش الجميع، ليُعثر في جيبه على قطعة حشيش مدسوسة.

 

لم تنته المسرحية عند هذا الحد، بل اقتيد مختار إلى المسرح نفسه، حيث فُتشت حجرته بحضور يوسف وهبي، لتُكتشف كمية من المخدرات زُعِم أنها بحوزته. وبدأت الصحف تنشر الخبر في صدر صفحاتها الأولى، مع التركيز على صلة المتهم بابن عمّه رئيس الوزراء، في حملة تشويه مقصودة.

 

وقف مختار مذهولًا أمام الاتهامات، مؤكدًا أنه لا علاقة له لا بالسياسة ولا بالمخدرات، لكن التحقيقات كانت تسير في اتجاه واحد. تطوّع كبار المحامين للدفاع عنه، وشهد يوسف وهبي بحُسن خلقه، غير أنّ قرار الإدانة كان قد اتُخذ سلفًا. صدر الحكم بحبسه ستة أشهر بتهمة الاتجار بالمخدرات، رغم أنه قضى أغلبها في الحبس الاحتياطي.

 

عند خروجه قال جملة ظلّ التاريخ يرددها:

“أدركت الآن أن المقولة التي تقول إن في السجون مظاليم هي حقيقة كاملة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى