توب ستوريخدمي

صلاح أبو سيف يدفع ثمن الواقعية في فيلم “المجرم”

منذ عقود، بقي المخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف رمزًا للواقعية في السينما المصرية، لكن وراء هذا اللقب حكايات كثيرة من التضحية والحرص على التفاصيل، إحداها حدثت أثناء تصوير فيلمه الشهير “المجرم”. المخرج لم يكتفِ بتصوير الأحداث بحسب الخيال، بل أراد أن يعيش التجربة بنفسه ليضمن أصالة المشهد وصدقه أمام المشاهدين.

 

في أحد مشاهد الفيلم، كان البطل يقضي سهرة في أحد الملاهي الليلية، وكانت اللقطة تتطلب أن يظهر إعجابه بالراقصات والمطربين بطريقة واقعية، تتضمن التعامل بالنقوط، وهو أمر لم يعتد عليه أبو سيف شخصيًا، لكنه كان مصممًا على تقديم الحقيقة دون مبالغة أو تصنع.

 

لم يترك أبو سيف المشهد للخيال أو التمثيل على الورق، فقرر أن يذهب بنفسه إلى الملهى ليعاين كل التفاصيل على الطبيعة. اصطحب معه مساعده وعددًا من فريق العمل، ودخلوا المكان كزوار عاديين، مراقبين كل حركة وسلوك، من الجرسون إلى المطربين، وحتى الزبائن.

 

حين جاء دور طلب المشروبات، اكتفى أبو سيف بطلب زجاجة كوكا كولا، غير أن مساعده نصحه بأن هذا لا يعكس الواقع، وأنه يجب تجربة كل تفاصيل السهرة كما هي. فبدأوا بتجربة المآكل والمشروبات المختلفة، مع مراقبة كيفية تقديم النقوط للراقصين والمطربين.

 

وعندما صعد المطرب على المسرح، بدأ فريق العمل في تطبيق المشهد بدقة، وبدأ النقوط تتنقل مرة تلو الأخرى، حتى شعر أبو سيف بنفس أجواء السهرة، وراقب كل حركة وتصرف وكأنها جزء من حياته الواقعية. كل هذه التجربة لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية بالنسبة له لضمان أن يظهر المشهد كما يراه الحياة اليومية في الملاهي.

 

وفي نهاية السهرة، كانت الفاتورة قد بلغت 300 جنيه نقدًا، وهو مبلغ ضخم في ذلك الوقت، لكنه لم يتردد في دفعه، معتبرًا أنه ثمن الواقعية التي يبحث عنها في السينما. لم تكن النقود بالنسبة له مجرد مصروف، بل استثمارًا في المصداقية، ليظل لقب “مخرج الواقعية” مستحقًا عن جدارة.

 

هكذا، يظهر حرص صلاح أبو سيف على التفاصيل، ورغبته في أن تصل مشاهد أفلامه إلى المشاهدين كما هي في الواقع، بعيدًا عن التجميل أو التصنع. فبالنسبة له، التجربة الحقيقية أهم من التمثيل التقليدي، وهذه اللحظات التي عاشها في الملاهي الليلية تعكس فلسفته السينمائية: الواقعية تبدأ بالعيش والتجربة، وليس بمجرد القراءة أو المشاهدة.

 

وبهذه الطريقة، سجل أبو سيف موقفًا لا يُنسى في تاريخ السينما المصرية، حيث دفع الغالي والنفيس من أجل أن يظل المشهد حقيقيًا، وحافظ على مكانته كواحد من أعظم المخرجين الذين أدخلوا الواقعية إلى الشاشة الكبيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى