
وُلد صلاح أبو سيف في الثاني عشر من مايو عام 1915 بحي بولاق الشعبي، ذلك الحي الذي ترك بصمته الأولى على تكوينه الإنساني والفني. فمنذ نعومة أظفاره انجذب إلى عالم الفن، وكان يقتنص من مصروفه الصغير ما يسمح له بحضور مسرحية أو مشاهدة فيلم، أو اقتناء كتاب يتحدث عن صناعة السينما؛ تلك البوابة السحرية التي أسرته مبكرًا.
ومع مرور السنوات، أكمل تعليمه وحصل على دبلوم تجارة متوسط، ثم بدأ مسيرته المهنية محررًا فنيًا في مجلات “أبو الهول” و”العروسة” و”الصباح”. غير أن أجره المحدود لم يكن كافيًا لتلبية احتياجاته الأساسية، فاستقال وبدأ رحلة بحث جديدة عن عمل، إلى أن وجد ضالته في وظيفة سكرتير بشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى. وفي المحلة، ظل محتفظًا بشغفه الأول، فكان يقضي أوقات فراغه بين صفحات الكتب السينمائية، يلتهمها التهامًا حتى فهم ملامح الصناعة وأسرارها.
وخلال أحد إجازاته إلى القاهرة، التقى مجموعة من زملائه القدامى من محرري الفن، وكانوا وقتها يعملون على فيلم “تيتا وونج”، الذي كتبته وأخرجته الفنانة أمينة محمد، خالة الفنانة أمينة رزق. وبتشجيع داخلي ورغبة في اختبار موهبته، التحق بالفريق مساعدًا في الإعداد والإخراج، وأخذ إجازة من عمله في المحلة ليواصل الليل بالنهار حتى انتهى الفيلم. غير أن المفاجأة كانت فشل العمل فشلًا ذريعًا، وعندما سُئل عن السبب قال عبارته الشهيرة: “لأن تكلفة إنتاجه كانت 17 جنيهًا فقط لا غير.”
عاد أبو سيف إلى المحلة بعد التجربة المريرة، مستسلمًا مؤقتًا لدور الموظف. لكن القدر كان يخبئ له بابًا جديدًا؛ فقد جاءت الشركة بالمخرج نيازي مصطفى لإخراج فيلم يتناول نشاطها. اغتنم صلاح الفرصة واقترب من نيازي، وعرض مساعدته، فلاحظ الأخير معرفته الواسعة وشغفه الحقيقي، وضمّه إلى فريقه. ولم يكتفِ أبو سيف بذلك، بل طلب من نيازي أن يساعده في الانتقال إلى استديو مصر. وافق نيازي، وكانت تلك اللحظة تحوّلًا في مصير الشاب القادم من بولاق.
بدأ صلاح عمله في استديو مصر مساعدًا في قسم المونتاج، وتدرّج تدريجيًا حتى أصبح رئيسًا للقسم. وفي هذه الفترة اكتسب خبرة عملية واسعة، وعرف تفاصيل الصناعة من الداخل، وتعلّم إيقاع الصورة، وميزان اللقطة، وسحر القطع بين المشاهد. وفي عام 1937 قدّم طلبًا رسميًا للعمل مساعد مخرج لنيازي مصطفى في فيلمه الشهير “سلامة في خير”، وهي الخطوة التي ثبّتت قدميه داخل دائرة الإخراج.
ظل أبو سيف يعمل مساعدًا لسنوات، حتى شعر عام 1943 بأن الوقت حان ليعلن عن نفسه كمخرج. فقدم فيلم “نمرة 6 / العمر واحد” بطولة إسماعيل ياسين، وجرب خلاله فكرة جريئة تمثلت في الاستغناء الكامل عن العنصر النسائي في الأحداث. لكن التجربة لم تتم كما أراد؛ صودر الفيلم، ولم يحصل أبو سيف على أجره.
ورغم الإخفاق الثاني، رفض الاستسلام. فاتجه لإخراج الأفلام القصيرة، ثم جاءته الفرصة الذهبية عام 1945 بإخراج فيلم “دايمًا في قلبي” بطولة عقيلة راتب وعماد حمدي، ومن إنتاج استديو مصر. كان يتقاضى وقتها راتبًا قدره 60 جنيهًا، لكنه حصل عن الفيلم على مرتب عامين كاملين، إضافة إلى مكافأة تبلغ 500 جنيه، ليبدأ اسمه يشق طريقه بثبات بين كبار السينمائيين.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد صلاح أبو سيف مجرد موظف في استديو مصر، بل صار واحدًا من أهم رواد الإخراج في تاريخ السينما المصرية، وصاحب مدرسة فنية كاملة، تُعرف اليوم باسم “الواقعية المصرية الجديدة”، تلك التي صنعت ملامح الشاشة لعقود طويلة.




