

في عالم السينما المصرية، هناك شخصيات تركت بصمة فنية رغم قصر مسيرتها أو غرابة أدوارها، ومن أبرز هؤلاء حسين زايد، الفنان الذي اشتهر بدوره المركب في فيلم “سفاح النساء”، حيث جسّد شخصية قاتل معقد يعاني عقدة مرتبطة بالمرأة. حسين زايد، المولود عام 1924، بدأ مشواره الفني في فيلم “المليونيرة الصغيرة” عام 1948، إلى جانب فاتن حمامة، وكان ذلك الفيلم أيضًا نقطة البداية للممثل رشدي أباظة. لكن رغم المشاركة في هذا العمل، لم يحقق الفيلم النجاح المطلوب، حتى أن الجمهور انسحب من دار العرض، وترك ذلك الانطباع الأول على أن البداية كانت صعبة للغاية، لدرجة أن رشدي أباظة فكر في الاعتزال قبل أن يبدأ مسيرته الفنية فعليًا.
بعد هذا الفيلم، ابتعد حسين زايد عن الوسط الفني لمدة 11 عامًا كاملة، وظل غامضًا بالنسبة للجمهور والزملاء على حد سواء. عاد بعدها بأدوار صغيرة في المسرح، ومنها مسرحية “المفتش العام”، ثم اختفى مرة أخرى لمدة سبع سنوات، حتى أعاد فؤاد المهندس اكتشافه وأشركه في السينما بدور صغير في فيلم “العتبة جزاز”، حيث لعب شخصية رجل فاقد إحدى يديه ويستبدلها بماسورة بلاستيكية تُستخدم كشوكة لتناول الطعام، وهو دور غريب ومميز على حد سواء.
بعد هذا الظهور، توقع الجميع أن يختفي حسين زايد كما اعتاد، لكن المفاجأة كانت في العام التالي، حين شارك في ثلاثة أعمال دفعة واحدة. على خشبة المسرح، ظهر في مسرحية “عبودة عبده عبود” مع الفنان أمين الهنيدي، وفي السينما قدم فؤاد المهندس له دورين متنوعين؛ الأول كان صغيرًا في فيلم “عريس بنت الوزير”، أما الثاني فكان الدور الأشهر في فيلم “سفاح النساء”، الذي تحول فيه إلى شخصية قاتل تتحول إلى طفل صغير بمجرد سماع أغنية “ماما زمانها جاية”، وهو الدور الذي أظهر موهبته في التقمص النفسي للشخصيات المعقدة.
بعد نجاحه في هذا الدور، بدأ المنتجون والمخرجون يلاحقونه لتقديم أدوار أكبر وأهم، لكن حسين زايد فاجأ الجميع مرة أخرى باختفائه عن الأنظار، وهو ما جعل الجمهور يعتقد أنه سيعود كما اعتاد دائمًا، إلا أن الواقع كان مختلفًا. ظل حسين بعيدًا عن الوسط الفني منذ سبعينيات القرن الماضي، حتى أعلن في 3 يناير 1977 خبر وفاته، من دون أن يعود ليكمل مسيرة النجومية التي بدأها قبل ثلاثة عقود.
حياة حسين زايد الفنية كانت مليئة بالتقلبات، بين بداية واعدة، وغياب طويل، وظهور مفاجئ بأدوار غير تقليدية ومركبة، مما جعل منه شخصية غامضة ومميزة في تاريخ السينما المصرية. شخصيته الفنية، التي دمجت بين الغرابة والقدرة على التقمص النفسي، جعلت دوره في “سفاح النساء” أيقونة لا تُنسى، بينما حياته الخاصة ومراحل اختفائه المتكررة أضافت إلى سيرته الغموض والدراما التي ترافق الكثير من الفنانين الذين تركوا أثراً رغم قصر الزمن.
حسين زايد مثال على الفنان الذي، رغم محدودية أدواره، استطاع أن يترك بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما، حيث تظل شخصيته في “سفاح النساء” واحدة من أكثر الشخصيات السينمائية غرابة وإثارة للاهتمام، وتجسد كيف يمكن لدور واحد أن يجعل الفنان خالدًا في ذاكرة المشاهدين.




