


في منتصف خمسينيات القرن الماضي، كانت القاهرة تموج بالحركة الفنية، وتزدحم بالمواهب والصراعات والرهانات الكبرى. في تلك الأجواء، زار الشاعر والمخرج عبدالرحمن الخميسي منزل عائلة حسني، وهناك وقعت عيناه على فتاة خجولة الملامح، رقيقة الصوت، طبيعية التعبير، تدعى سعاد حسني. لم تكن وقتها تعرف شيئًا عن طريق الشهرة، ولا يخطر ببالها أنها ستصبح يومًا “سندريلا الشاشة العربية”. لكن الخميسي، بعينه الثاقبة، لمح فيها شرارة مختلفة، وقال لها بثقة: “أنتِ هتبقي نجمة في يوم من الأيام.”
وعندما غادر البيت مع ابنه، سأله الصبي متعجبًا: “أنت ليه قلت لها كده؟”، فأجابه الخميسي بابتسامة الواثق: “لأنها فعلاً هتبقى نجمة.” لم يكن تعليقًا عابرًا، بل قرارًا جادًا بتبني موهبتها. الرجل الذي عُرف باكتشاف المواهب، منح سعاد أول فرصة فنية عندما اختارها لتجسد دور أوفيليا حبيبة هاملت في مسرحية كان يقدمها، لتبدأ الفتاة الموهوبة رحلة جديدة خارج إطار الخجل والعفوية إلى عالم الأداء والتمثيل.
في ذلك الوقت، كان الخميسي يعمل على تحويل المسلسل الإذاعي الناجح “حسن ونعيمة” إلى فيلم سينمائي. استعان بالمخرج الكبير محمد كريم بركات لتولي الإخراج، وبموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب للإنتاج. خلال أول جلسة لاختيار الأبطال، اتفق الخميسي وبركات على تقديم الفيلم بوجوه جديدة، واختارا سعاد حسني ومحرم فؤاد، ليكون الفيلم أول ظهور سينمائي لكليهما.
لكن المفاجأة جاءت من عبدالوهاب، الذي رفض تمامًا هذه المغامرة قائلاً: “مين هيوزع فيلم بطولته اتنين جداد؟” وأمام إصرار بركات بأن نجاح المسلسل في الإذاعة سيضمن إقبال الجمهور، بدأ موقف عبدالوهاب يلين، فعرض compromise: أن يكون الفيلم بسعاد ويشاركها عبدالحليم حافظ وأحمد رمزي، أو يقدم محرم مع نجمة كبيرة مثل فاتن حمامة.
إلا أن الخميسي وبركات تمسكا بمغامرتهما، ورفضا استبدال الوجوه الجديدة. كانا يؤمنان بأن التأثير لا يُصنع بتكرار النجومية، بل باكتشافها. وجاء يوم العرض الأول، ليثبت الزمن أن رهانهما كان صائبًا؛ إذ حصد الفيلم نجاحًا جماهيريًا غير مسبوق، وخرجت منه سعاد حسني ومحرم فؤاد نجمين جديدين على الساحة الفنية، لتبدأ سعاد رحلتها نحو أن تصبح واحدة من أهم أيقونات السينما العربية.
وهكذا، لم تكن قصة سعاد مجرد صعود نجمة، بل كانت ميلاد أسطورة، صنعها الإيمان بموهبة حقيقية، ولا يزال اسم عبدالرحمن الخميسي يُذكر كلما ذُكر اسم سندريلا الشاشة.



