توب ستوريخارجي

زينات صدقي… رحلة صعود من الهروب والفقر لأيقونة الكوميديا المصرية

لم تكن البدايات تشير إلى أن الطفلة زينب محمد سعد “زينات صدقي”، التي وُلدت في الإسكندرية لأسرة محافظة، ستصبح يومًا إحدى أبرز نجمات الكوميديا في تاريخ الفن المصري. في الخامسة عشرة فقط، زُوِّجت لابن عمها الطبيب، لكن زواجها انتهى بالطلاق بعد أحد عشر شهرًا، وربما لأن مراهقة صغيرة لم تكن قادرة على احتمال حياة زوجية كاملة.

 

بعد الانفصال، حاولت زينب البحث عن ذاتها؛ فبدأت طريقها في عالم الفن مونولوجست ورقّاصة في الأفراح الشعبية بالإسكندرية. لكن العائلة رفضت تمامًا هذا الطريق، واعتبرت ما تفعله خروجًا عن التقاليد. ومع تصاعد الضغوط، اتخذت قرارًا جريئًا: الفرار من مصر.

 

هربت زينب إلى الشام برفقة صديقتها خيرية صدقي. وهناك جرّبت أن تولد من جديد، فغيّرت اسمها إلى زينب صدقي، مستعيرة لقب والد صديقتها. وفي لبنان، كتب لها أحد الشعراء الشوام أغنية أصبحت علامة في بدايتها الفنية، تقول كلماتها:

 

“أنا زينات المصرية خفة ودلع

أرتيست لكن فنية

أغنّي وأتسلطن يا عينيّا

تعالى شوف المصرية…”

 

نجحت الأغنية نجاحًا مدويًا، وصارت الفرق المسرحية تتسابق لاستضافتها، والجمهور يقصد المسرح فقط من أجل رؤية “المصرية” خفيفة الظل.

 

عندما عادت إلى مصر بعد سنوات، انضمت إلى فرقة نجيب الريحاني، ولكن حدثت مشكلة؛ فقد كانت هناك ممثلة معروفة تحمل اسم “زينب صدقي”، وهي ملكة جمال سابقة وجدة الفنان رشدي أباظة في فيلم صغيرة على الحب. عندها اقترح عليها الريحاني: “نخلي اسمك زينات بدل زينب؟”. وافقت دون تردد، ومن هنا وُلد الاسم الذي سيبقى خالدًا: زينات صدقي.

 

ورغم شهرتها ونجاحها في أدوار الكوميديا، ظل قلبها مملوءًا بالرحمة. ففي إحدى المرات، طلب عامل المسرح منها أن يدفن والدته في مدفنها لأنها لا تملك مكانًا. لم تكتفِ بالموافقة فقط، بل قررت تحويل المدفن كله إلى صدقة جارية، وأزالت اسمها عنه وسمّته “مدفن عابري السبيل”. كما أنشأت حنفية مياه كبيرة لأهل المنطقة الذين كانوا يشترون الماء بالمال، وكتبت فوقها: “لا تنسوا قراءة الفاتحة على روح زينب محمد سعد”.

 

وفي سنواتها الأخيرة، عانت زينات من هبوط في القلب وماء على الرئة، وظلت تقاوم المرض حتى رحلت في 2 مارس 1978، تاركة خلفها إرثًا كبيرًا من الفن والإنسانية.

 

وبين أغراضها، وجدوا مصحفًا كانت تواظب على قراءته، ومعه ورقة صغيرة كتبت فيها دعاءً مؤثرًا يلخص حياتها البسيطة وهمومها اليومية:

“يارب تُب عليّ من الشاي والسجائر، يارب تكرم نادرة، وتهدي لها عيالها طارق وعزة، يارب تحنّن عليّ قلب صاحب البيت وتخليه يصبر على الإيجار المتأخر، يا رب ساعدني ووفقني وأكرمني في صحتي وابعتلي شغل.”

 

رحلت زينات، لكن صورتها بقيت… امرأة صنعت مجدها من لا شيء، وضحكت الناس وهي تُخفي خلف الكواليس جروحًا لا يراها أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى