
سُجّل الزلزال الرئيسي عند الساعة 7:18 مساءً بالتوقيت المحلي، وكان مركزه بالقرب من مدينة ويكرو (Wik’ro) التي يقطنها أكثر من 60 ألف نسمة، تبعته هزات ارتدادية تراوحت قوتها بين 4 و4.9 درجات، شعر بها السكان في مدن شاجوبي، دولو، إيداغا حاموس، وأديغرات.
وبحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) والمركز الأورومتوسطي لرصد الزلازل (EMSC)، فإن الزلزال كان ضحلاً مما جعله محسوسًا على نطاق واسع، لكنه لم يسفر عن خسائر بشرية أو انهيارات كبيرة حتى لحظة إعداد التقرير.
إلا أن المشهد لم يتوقف عند هذه الهزة؛ إذ أكدت المصادر الجيولوجية الإثيوبية تسجيل سبع هزات إضافية متوسطة القوة خلال الساعات التالية، ما أثار مخاوف من احتمال تجدد النشاط البركاني في شمال البلاد.
المناطق المتأثرة وشدة الاهتزازات
أظهرت التقارير الميدانية تباين شدة الزلازل في المدن المحيطة بمركز الهزة، وجاءت كالتالي:
ويكرو (64 ألف نسمة): اهتزازات خفيفة.
شاجوبي (تبعد 14 كم): هزات متوسطة.
دولو (تبعد 38 كم): نشاط زلزالي خفيف.
إيداغا حاموس (تبعد 51 كم): اهتزازات طفيفة.
أديغرات (تبعد 66 كم): اهتزازات ملحوظة دون أضرار.
أريتي (تبعد 94 كم): هزات ضعيفة.
حتى الآن، لم تُسجّل إصابات أو خسائر بشرية، فيما تواصل فرق الإنقاذ والتقييم الميداني عملياتها لرصد الأضرار المحتملة في المناطق الريفية والجبلية التي يصعب الوصول إليها.
استجابة رسمية وعلمية
أعلنت هيئة الجيولوجيا وإدارة الكوارث في إثيوبيا أن الزلازل الأخيرة ناتجة عن نشاط داخل الصدع الإفريقي الشرقي (East African Rift System)، وهو الحزام التكتوني الذي يمتد من البحر الأحمر مرورًا بإثيوبيا وكينيا وتنزانيا حتى موزمبيق.
وأكد الخبراء أن تزايد عدد الهزات خلال الأشهر الماضية يُعد مؤشرًا على حركة تكتونية نشطة في باطن الأرض، لافتين إلى أن هذه المنطقة شهدت سابقًا تزامنًا بين الزلازل وثورانات بركانية، خصوصًا في جبل دوفن (Dofen) الذي عرف انبعاثات بخارية وصخرية مطلع العام الجاري.
وكشفت اللجنة الوطنية لمخاطر الكوارث أن عدد الزلازل المسجلة منذ بداية عام 2025 بلغ أكثر من 30 هزة، تجاوزت قوة بعضها 5 درجات على مقياس ريختر، مؤكدة أن الوضع تحت المراقبة الدقيقة وأن فرق الرصد والإنقاذ على أهبة الاستعداد لأي تطورات جديدة.
تحذيرات من نشاط بركاني محتمل
أثار تكرار الهزات الأرضية خلال ساعات قليلة قلق العلماء، إذ حذر خبراء الجيولوجيا من أن هذه الهزات قد تكون مقدمة لثوران بركاني في إحدى البؤر النشطة شمال البلاد.
وأشار بعض الباحثين إلى تشابه النمط الزلزالي الحالي مع ما حدث في عام 1820، حين شهدت منطقة فنتالي (Fentale) ثورانًا بركانيًا ضخمًا أعقب سلسلة من الزلازل المتوسطة.
ويؤكد هؤلاء أن المنطقة تُظهر مؤشرات جيولوجية مماثلة، ما يستوجب رفع مستوى التأهب وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر تحسبًا لأي نشاط بركاني محتمل.
دعوات إلى اليقظة والاحتراز
دعت السلطات الإثيوبية المواطنين إلى الهدوء والتزام تعليمات السلامة، محذّرة من الاقتراب من الأبنية المتصدعة أو المناطق الجبلية التي قد تتعرض لانهيارات أرضية.
كما شددت على أهمية الاحتفاظ بحقائب طوارئ تحتوي على مياه وأدوات إضاءة ووثائق مهمة، والتأكد من متابعة البيانات الرسمية فقط لتجنّب الشائعات.
من جهتها، أعلنت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية أن محطات الرصد الزلزالي التابعة لها سجلت الهزة الإثيوبية التي بلغت قوتها 5.5 درجة، مؤكدة أنها تتابع النشاط الزلزالي في المنطقة ضمن نطاق مراقبتها الإقليمي.
الخلفية الجيولوجية.. إثيوبيا على خط النار الإفريقي
تقع إثيوبيا في قلب الحزام الإفريقي الشرقي النشط، وهو واحد من أهم المناطق الجيولوجية على كوكب الأرض، حيث تتباعد الصفائح التكتونية بمعدل عدة مليمترات سنويًا، ما يؤدي إلى نشوء أودية وانشقاقات أرضية وبراكين على امتداد آلاف الكيلومترات.
وتتوزع في البلاد عشرات البؤر البركانية النشطة، أبرزها دوفن، فنتالي، إرتا علي، والعفر، وهي مناطق شهدت نشاطًا متكررًا خلال العقود الماضية.
ويرى الخبراء أن هذه الظواهر جزء من عملية جيولوجية طويلة المدى قد تؤدي على المدى البعيد إلى انقسام القارة الإفريقية وولادة محيط جديد بين شرق إفريقيا وبقية القارة.
الزلازل والبركان.. بين الخطر والطبيعة الخلّاقة
على الرغم من المخاوف التي تثيرها الزلازل، فإن العلماء يشيرون إلى أنها تمثل دليلًا على ديناميكية باطن الأرض، وهي العملية نفسها التي خلقت مرتفعات إثيوبيا وسهولها البركانية الخصبة.
ويؤكد المتخصصون أن التعامل العلمي مع الظواهر الطبيعية، من خلال أنظمة إنذار مبكر، وتخطيط عمراني آمن، وتوعية مجتمعية مستمرة، كفيل بتقليل المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات.
بينما لم يسفر زلزال تيغراي الأخير عن خسائر بشرية أو مادية تُذكر، إلا أنه يعيد تسليط الضوء على هشاشة المنطقة جيولوجيًا، وعلى الحاجة إلى إستراتيجية وطنية متكاملة لإدارة المخاطر الطبيعية في إثيوبيا.
ففي بلد يجمع بين الجمال الطبيعي والتنوع الجيولوجي الفريد، يبقى التحدي الأكبر هو التوازن بين استغلال هذا التنوع وبين التأهب لمفاجآت الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها.




