
لم يكن الفنان رشدي أباظة يتخيّل أن جملة عابرة من الرئيس السادات ستغيّر مسار حياته الفنية، وربما مسار حياته كلها. فبحسب ما رُوي عن كواليس مسلسل بابا عبده، كان السادات قد أثنى على العمل خلال لقائه برشدي أباظة، ثم قال له: “ليه يا رشدي متعملش مسلسل زي بابا عبده كده؟”
وكان معروفًا في مصر أن تلميح الرئيس هو في حقيقته أمرٌ نافذ، فبدأ الفنان الكبير يبحث جاهدًا عن عمل تلفزيوني يطلّ من خلاله على الجمهور.
كانت تلك اللحظة مفصلية، إذ إن رشدي لم يكن قد قدّم في مشواره إلا مسلسلًا واحدًا هو المارد عام 1973، وهو عمل نادر لا يعرفه كثيرون ولا يكاد يظهر له أثر على الإنترنت اليوم. ومع ذلك، اندفع في البحث عن مشروع درامي يليق باسمه، حتى وجد ضالّته في مسلسل بعنوان “صفقة الموت” للكاتب عادل صادق، والد الممثلة وفاء صادق المعروفة بـ”بهيرة” في لن أعيش في جلباب أبي.
قصة العمل… ورجل يفاوض الموت
كانت فكرة المسلسل ذات بعد إنساني عميق؛ إذ يدور حول رجل الأعمال توفيق البنهاوي الذي يكتشف مصادفة إصابته بورم في المخ، ويُبلَّغ بأن أمامه ستة أشهر فقط قبل أن يخطفه الموت. فيقرر أن يدخل في “صفقة” مع القدر: يُنهي خصوماته، يعيد الحقوق إلى أصحابها، ويُصفّي حياته من كل شوائبها قبل الرحيل.
انتهى السيناريو بنجاح العملية الجراحية، لكن البطل يموت لاحقًا بطريقة طبيعية. غير أن رشدي اعترض على النهاية وطلب تعديلها، معتبرًا أن الجمهور بحاجة إلى بصيص أمل، وأن البطل يستحق الحياة لا الموت.
ضمّ العمل نخبة من النجوم: صفاء أبو السعود، حمدي أحمد، حسن حسني، وفكري أباظة شقيق رشدي من أبيه. وبدأ التصوير بالفعل، لكن الرياح كانت تحمل ما لم يكن بالحسبان.
أعراض غامضة… وورم حقيقي
لم يمضِ سوى ثلاثة أسابيع من التصوير حتى بدا على رشدي أباظة إرهاق غير معتاد. أصبح غير قادر على الوقوف في الكواليس، وتفاقم صداعه إلى حدّ دفعه لزيارة الطبيب. نصحه الأخير بالراحة وأعطاه بعض المهدئات، فابتعد عن اللوكيشن أربعة أيام، ثم عاد عندما شعر بتحسّن طفيف.
لكن في أول يوم بعد عودته، سقط فجأة أثناء التصوير. نُقل إلى المستشفى على الفور، وهناك حدثت الصدمة الكبرى:
رشدي أباظة نفسه كان مصابًا بورم في المخ… تمامًا مثل شخصية توفيق البنهاوي التي يجسدها في المسلسل.
بدت الواقعة كأنها لعنة درامية خرجت من الورق إلى الجسد.
السفر إلى لندن… ثم العودة الأخيرة
سافر رشدي إلى لندن للعلاج وهو يحمل مشاعر تشاؤم شديدة تجاه المسلسل. أُزيل شعره تحضيرًا للعملية، وأُجريت الجراحة بنجاح. عاد بعدها إلى القاهرة، لكنه اتخذ قرارًا واضحًا: لن يعود إلى صفقة الموت.
واتفق بالفعل مع المخرج أشرف فهمي على بطولة فيلم “الأقوياء”، معتقدًا أنه يفتح صفحة جديدة بعيدًا عن شبح المرض.
غير أن القدر لم يمهله طويلًا. فخلال تصوير الفيلم، تدهورت حالته الصحية مجددًا، ودخل المستشفى، وبقي فيها حتى وافته المنية. هنا بدأت مأساة جديدة: لم يكن قد صوّر إلا ثلث الفيلم فقط.
كان التخلص من المَشاهد خسارة مادية وفنية، فهو العمل الأخير للنجم الكبير. فاستقر صُنّاع الفيلم على إكماله بواسطة الفنان صلاح نظمي الذي كان يتمتع ببنيان قريب من رشدي. صُوّرت مشاهده بزاويا لا تُظهر الوجه، بينما انتشرت شائعة أن أحمد زكي هو من قام بدبلجة صوت رشدي، لكن النسخة النهائية تحمل صوت صلاح نظمي ذاته.
وانتهى الفيلم بموت البطل… وهي نهاية لم يرها رشدي ولا صوّرها.
المسلسل الذي لم يولد
أما مسلسل صفقة الموت، فقد توقّف نهائيًا. وصف مخرجه عادل صادق التجربة بأنها كانت “وشّ نحس”، وقال بمرارة: “ماكانتش صفقة موت… دي كانت صفقة خراب عليّا.”
ولم يُعرض المسلسل يومًا، ليبقى واحدًا من أكثر الأعمال غموضًا في تاريخ الدراما، مصحوبًا بلقطة نادرة وصورة يتيمة من كواليسه، وأسطورة عن عمل درامي تحوّل إلى نبوءة قاسية أصابت بطله.




