


في أحد أيام تصوير فيلم «حب من نار»، وقف المخرج الكبير حسن الإمام يشرح لبطلي العمل، شكري سرحان ويوسف فخر الدين، تفاصيل مشهد شجار عنيف يُفترض أن يكون ذروة الأحداث. كان المطلوب أداءً مقنعًا، يوحي بالقسوة والتوتر، من دون أن يتحول المشهد إلى إصابات حقيقية. غير أن ما جرى في ذلك اليوم تجاوز كل الحسابات.
استوعب النجمان تعليمات المخرج بسرعة لافتة، وأكدَا له أن المشهد سيكون على أعلى مستوى من الإتقان. وخلال البروفة، بدا الحماس واضحًا عليهما، إلى درجة أنهما تبادلا اللكمات بشكل حقيقي، لا تمثيلي، ما جعل حسن الإمام يطمئن إلى قدرتهما على تنفيذ المشهد دون مخاطر. قِصر البروفة وحماسة الممثلين أقنعا المخرج بأن الأمور تحت السيطرة.
انطلقت الكاميرا، ودوّى صوت حسن الإمام بكلمة «أكشن». في لحظة، تحولت الخناقة إلى واقع حي. تشابكت الأيدي، واشتعلت الوجوه، واندفع شكري سرحان في الأداء بحماس زائد، قرر معه أن «يجوّد» من عنده. في ثوانٍ معدودة، أمسك يوسف فخر الدين وألقاه أرضًا بقوة، في لقطة بدت شديدة الواقعية، إلى حد أن الجميع اعتقد أنها جزء من المشهد.
ما إن أنهى حسن الإمام التصوير حتى هرع أفراد الطاقم إلى شكري سرحان، يهنئونه على براعته وإتقانه للمشهد. لكن الفرحة لم تدم طويلًا. عندما التفتوا إلى يوسف فخر الدين، وجدوه صامتًا لا ينطق، أنفاسه تتباطأ شيئًا فشيئًا، حتى سقط مغشيًا عليه. لم تُجدِ محاولات الإفاقة نفعًا، لا نشادر ولا كولونيا، والقلق دبّ في قلوب الجميع.
أسرع أحد العاملين لإحضار طبيب، وفي تلك اللحظات العصيبة، بدأت نظرات الاتهام تتجه نحو شكري سرحان. شعر هو الآخر بثقل الموقف، وتسللت إلى رأسه أفكار مرعبة: هل أصيب يوسف إصابة قاتلة؟ هل سيموت؟ وهل سينتهي به الأمر خلف القضبان، وربما يواجه مصيرًا أشد قسوة؟ تحت وطأة هذه الهواجس، لم يتحمل شكري الضغط، وسقط مغشيًا عليه هو الآخر.
بعد فترة، لا يعرف أحد مدتها، عاد الوعي إلى شكري سرحان، ليجد يوسف فخر الدين يحاول إفاقته، والطبيب إلى جوارهما. تنفّس الجميع الصعداء، بعدما تأكد أن الاثنين بخير، وأن ما حدث كان مجرد إغماء عابر نتيجة الإجهاد والصدمة.
رغم انتهاء الأزمة بسلام، لم يمر الموقف دون عقاب. قرر حسن الإمام معاقبة شكري سرحان بطريقته الخاصة، وألزمه بدعوة جميع أفراد فريق العمل إلى الغداء. كان العدد يتجاوز الستين شخصًا، أغلبهم من العمال، وجميعهم بلا استثناء طلبوا الكباب والكفتة. وبعد أن التهموا الطعام، توجهوا إلى يوسف فخر الدين مازحين: «والنبي يا أستاذ يوسف، عايزين وقعة زي دي كل يوم!». هكذا تحولت أخطر خناقة في السينما إلى واحدة من أطرف حكايات الكواليس.





