
في تاريخ السينما المصرية، لا يختلف اثنان على أن فؤاد المهندس أحد أعمدة الكوميديا الراقية وصاحب بصمة فنية لا تُنسى. ومع ذلك، لم يكن مشواره خاليًا من التعثرات، ويظل فيلم «نحن الرجال طيبون» علامة فارقة في مسيرته، ليس لنجاحه، بل لأنه يعد – باعترافه الشخصي – أسوأ فيلم شارك فيه طوال حياته.
يحكي المهندس أنه في أحد الأيام جاءه شاب يُدعى إبراهيم لطفي، قدم نفسه باعتباره مخرجًا درس الإخراج في الولايات المتحدة، وأبرز أمامه شهادات متعددة تثبت تخصصه. انبهر فؤاد المهندس ظاهريًا، وقال مازحًا: “جاتك العالمية يا واد!”. ثم طلب منه قراءة سيناريو الفيلم. يقول المهندس إنه لم يفهم شيئًا من السيناريو، لكنه ظن أن صعوبة الفهم دليل على العبقرية، فوافق على المشاركة فيه، واصطحب معه مجموعة من كبار النجوم: شويكار، سيد زيان، السيد راضي، إبراهيم خان، وفادية عكاشة.
بدأ التصوير، ومع مرور الأيام بدأ المهندس يشعر بأن الأمور لا تسير كما ينبغي. ففي البداية كان يردد: “وما له!”، لكن في منتصف التصوير وصل إلى مرحلة الانهيار. واجه المخرج قائلاً: “اقطع دراعي من هنا، أنت لا دارس فن هنا ولا في أمريكا! أنت بتتعلم فيا!”. ورفض أن يُستبدل بفنان آخر، كما رفض أن يُستبعد المخرج، لكنه أعلن أنه يكاد يُصاب بالجلطة إن استمر في التصوير. بلغ الأمر حد أن توجه بنفسه إلى مؤسسة السينما متوسلًا: “ابوس إيديكم، مشوني أو شيلوا الفيلم، اعملوا أي حاجة!”.
لكن المؤسسة نصحته بإكمال التصوير حتى لا يخسر المنتج، خاصة أن الجزء المتبقي من الفيلم لم يكن كبيرًا. فاستجاب، وأتم العمل، وخرج الفيلم إلى النور.
حين عُرض الفيلم في دور السينما، لم يفهمه أحد. لم يلقَ أي إقبال، بل سُحب من العرض بعد يومٍ واحد فقط، في واقعة نادرة لفيلم يحمل اسم فؤاد المهندس، الذي كان في أوج نجوميته.
تدور أحداث الفيلم حول مخرجة تلفزيونية جميلة تُدعى شويكار، تعود من الخارج لتصوير أفلام في مصر. يلتقيها رسام – يجسده المهندس – فيقرر رسمها، لكنه يدبر حيلة بادعاء العمى ليكسب تعاطفها فتساعده في العلاج. ورغم أن القصة تحمل جانبًا ظريفًا يمكن أن يُبنى عليه عمل مميز، إلا أن التنفيذ جاء مرتبكًا ومبعثرًا، فلم يخرج الفيلم بالشكل المأمول.
المفارقة أن إبراهيم لطفي ذاته، الذي ارتبط اسمه بأسوأ أفلام المهندس، هو مؤلف ومخرج فيلم «لصوص لكن ظرفاء» بطولة أحمد مظهر وعادل إمام، أحد ألطف الأفلام الكوميدية في السينما المصرية. وهو الفيلم الذي ترك أثرًا عجيبًا في المجتمع، إذ كثر بعد عرضه وقوع سرقات لمحلات الذهب عبر اقتحام الشقق السكنية التي تعلوها، حتى صار صاحب كل محل ذهب يتفقد سقفه عند حلول الليل!
الأغرب أن إبراهيم لطفي بعد هذين الفيلمين اختفى تمامًا من المشهد السينمائي، ولم يظهر له أثر بعدها. لا أحد يعرف على وجه اليقين أين ذهب، ولا إن كان حيًا أم رحل، وكأن السينما لفظته بعد تجربتين بين النقيضين: أحد ألطف الأفلام الكوميدية، وأسوأ فيلم في حياة فؤاد المهندس.




