توب ستوريخارجي

حكاية اعتزال مديحة يسري السينما بعد “الخطايا”

فى منتصف الستينيات، كانت السمراء الرقيقة مديحة يسري تتلألأ فى سماء السينما المصرية كنجمة تمتلك حضورًا لا يخفت وبصمة فنية لا تُخطئها العين. ومع ذلك، اتخذت فجأة قرارًا بدا صادمًا للجمهور وللوسط الفنى: اعتزال التمثيل بعد فيلم “الخطايا” الذى جمعها بالمطرب الكبير عبدالحليم حافظ. وبينما تساءل كثيرون عن سرّ هذا القرار، تكشفت كواليس تحمل مزيجًا من العاطفة والضغوط الصحية والالتزامات الشخصية.

 

كانت مديحة يسري فى تلك الفترة تستعد لخوض تجربة جديدة فى حياتها الخاصة، فقد ارتبط قلبها برجل الأعمال مصطفى والي الذى يعمل فى مجال المقاولات. علاقة أخذت تنمو بهدوء حتى وصلت إلى مرحلة جادة جعلته يضع شرطًا واضحًا قبل الزواج: أن تتفرغ له تمامًا، وأن تطوي صفحة السينما نهائيًا. وبرغم تعلق مديحة بالفن، وافقت احترامًا لرغبته، وحرصًا على حياة زوجية مستقرة كما كانت تتمنى.

 

وبرغم رفضها عدة سيناريوهات وأعمال، بينها فيلم من إخراج أحمد ضياء الدين وإنتاج محرم فؤاد، فإنها وافقت على تقديم فيلم واحد فقط قبل الرحيل، تقديرًا لصداقتها القديمة بكل من عبدالحليم حافظ، بطل الفيلم، ومدير التصوير وحيد فريد. هكذا كان “الخطايا” هو خاتمة مشوارها قبل أن تطوي آخر صفحة فى دفتر السينما.

 

الشائعات، كالعادة، لم تغب عن المشهد. فالبعض همس بأن الزواج قد تم سرًا، وأن الاعتزال جاء بعد الضغوط المتوقعة من زوج غيور. لكن مديحة نفت ذلك جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن الزواج لم يتم بعد، وأنها ستعلنه رسميًا قريبًا، بل وستقيم احتفالاً كبيرًا تدعو إليه جمهورها وكل أحبائها فى الوسط الفني.

 

ومع ذلك، لم يكن قرار الاعتزال قائمًا على عوامل شخصية فقط، بل كان للظروف الصحية دورٌ لا يُستهان به. فمديحة يسري كانت تعاني من الروماتيزم، ونصحها الأطباء بعدم بذل مجهود بدني كبير أو إرهاق نفسها بالسفر والتصوير والوقوف الطويل أمام الكاميرا. كانت هذه النصائح الطبية كجرس إنذار جعلها تعيد التفكير فى طبيعة حياتها وإيقاع عملها المستمر منذ سنوات، وأدركت أن تجاهل هذه التحذيرات قد يكلّفها صحتها.

 

ومع أن مديحة كانت مقتنعة تمامًا بضرورة الاعتزال استجابة لظروفها، فإن قلبها لم يخلُ من الحسرة. ففى قرارة نفسها كانت تعرف أن الوقت لم يحن بعد، وأن لديها الكثير مما كانت تستطيع تقديمه على الشاشة. كانت تشعر أنها لم تؤد رسالتها الفنية كاملة، وأن فى جعبتها أدوارًا لم تُخلق بعد، وشخصيات كانت تتمنى أن تجسدها. لكنّ إرادة القلب كثيرًا ما تنحنى أمام حسابات الحياة.

 

وهكذا، خرجت مديحة يسري من باب السينما الواسع بهدوء يشبه شخصيتها، تاركة خلفها إرثًا فنيًا ثريًا وذكرى نجمة اختارت أن تنصت للنداء الداخلى الذى جمع بين الحب والصحة والاستقرار، ولو على حساب حلمٍ عاشت له عمرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى