
في أثناء تصوير فيلم “عاصفة على الريف” للمخرج الكبير أحمد بدرخان، سافر فريق العمل إلى إحدى القرى المصرية لتصوير عدد من المشاهد الريفية التي تتطلب وجود خيول وأجواء طبيعية تعكس البيئة الشعبية الأصيلة. وكان من بين هذه المشاهد مشهد يظهر فيه الفنان محمود المليجي مرتديًا زيّ الضابط وهو يمتطي حصانًا ويتفقد أحوال القرية في جو ليلي هادئ.
منذ اللحظة الأولى لوصول محمود المليجي إلى القرية، التفّ حوله الأهالي الذين كانوا ينظرون إليه بإعجاب شديد، فقد كانت شهرته تملأ الأرجاء، واعتادوا مشاهدته في أدوار “البلطجي” القوي الذي لا يُهزم في السينما، حتى أنهم بدأوا يقارنونه بـ”شيخ الغفر” الحقيقي في القرية، ويقولون إن المليجي أقوى منه وأشجع، تمامًا كما يظهر على الشاشة.
وقبيل يوم التصوير، طلب المخرج بدرخان من الأهالي أن يحضروا له عدة خيول ليختار المليجي من بينها الحصان الذي سيظهر به في المشهد. وبالفعل حضروا بمجموعة من الخيول الأصيلة، ووقف المليجي أمامها متظاهرًا بخبرة واسعة في تربية وركوب الخيل، رغم أنه لم يسبق له التعامل معها من قبل.
اقترب المليجي من الخيول بخطوات واثقة، وهو يتمتم بكلمات مثل: “ده شكله حلو… وده معقول”، محاولًا أن يبدو كخبير حقيقي، حتى استقر في النهاية على حصان أثار إعجاب الأهالي. لكن سرعان ما بدأت الهمسات تدور بينهم: “ده حصان شيخ الغفر! محدش يعرف يركبه غيره!”
رغم القلق الذي تسلل إلى نفسه، رفض المليجي أن يظهر تردده، وقفز على ظهر الحصان بثقة مصطنعة، وسط نظرات الدهشة من الجميع. لكن المفاجأة الأولى أن الحصان بدا هادئًا ومطيعًا على غير العادة، ما جعل الجميع يظنون أن المليجي “روضه بنظرة عين”.
وما إن أعلن المخرج “أكشن”، حتى انقلب المشهد رأسًا على عقب. انطلق الحصان فجأة بسرعة هائلة، جارًّا المليجي في مشهد لم يكن مكتوبًا في السيناريو. حاول الممثل القدير السيطرة على الحصان، لكن دون جدوى، فظل الحصان يعدو بجنون وسط صرخات وضحكات الأهالي الذين وقفوا مذهولين من المشهد غير المتوقع.
كان المليجي يدعو الله أن تنتهي المغامرة بسلام، وبدأ يردد في نفسه: “اللهم سلّم”. لكن النهاية جاءت مؤلمة حين قفز الحصان فوق قناة مياه صغيرة، ففقد المليجي توازنه وسقط مباشرة في أرض مليئة بزرع البصل. كانت السقطة قوية كلفته كسرًا في يده اليمنى، ليخرج من التجربة بدرس قاسٍ لا يُنسى.
ومنذ ذلك اليوم، أقسم محمود المليجي ألا يقترب من الخيل مجددًا لا في فيلم ولا في الحقيقة، قائلًا لأصدقائه لاحقًا بابتسامته الساخرة المعهودة:
“التمثيل كله لعب.. إلا لما الحصان يلعب فيك!”
وهكذا تحوّلت واقعة “حصان شيخ الغفر” من مشهد تمثيلي إلى حادثة حقيقية طريفة أصبحت واحدة من أكثر كواليس السينما المصرية غرابة، يتناقلها عشاق الفن عن نجمهم الكبير الذي لم يخشَ يومًا مواجهة أي دور.. إلا عندما واجهه حصان شيخ الغفر.




