
قد لا يعرف كثيرون اسم بلقين سالَرمشار، المعروفة فنيًا باسم بيرجن، لكن قصتها من أكثر القصص المأساوية التي مرّت في تاريخ الفن التركي. ورغم أن صوتها الدافئ كان سببًا في انتشارها، فإنّ العنف الذي لاحقها جعل اسمها يتردد في تركيا والعالم كواحدة من أيقونات الألم الإنساني.
بداية الحكاية… حب يتحوّل إلى فخ
بدأت مأساة بيرجن حين ارتبطت بـ خالص سربست، الذي دخل حياتها كمعجب مُحب، يرسل الورود يوميًا ويُظهر اهتمامًا بالغًا، ما دفعها للقبول بالزواج منه. لكن الصدمة الأولى جاءت عندما اكتشفت أنه متزوج ولديه ثلاثة أطفال. تركته على الفور، وانتقلت إلى ولاية أخرى، إلا أنه لاحقها مجددًا حتى أقنعها بالزواج رسميًا مطلع عام 1982.
وبعد فترة قصيرة، اكتشفت خيانته للمرة الثانية، فغادرته. لكن قرارها لم يعجبه، وبدأ التخطيط للانتقام.
الاعتداء… لحظة غيّرت حياة مطربة
دفع خالص مبلغ 500 ألف ليرة تركية لقاتل مأجور بهدف تشويهها. وفي إزمير، اعتدى عليها المجرم بـ حمض النتريك (ماء النار). تقول بيرجن في شهادتها:
«فقدت البصر في كلتا عينيّ في اللحظة نفسها. لم أسمع سوى الصراخ. كل شيء كان مظلمًا.»
نُقلت إلى مستشفى جامعة إيجه، وبقيت فيه 45 يومًا للعلاج. وبعد خروجها، فقدت عينها اليمنى بالكامل، واضطرت لإخفاء التشوّه بتسريحة شعر صارت علامة مميزة لها.
بعد شهرين، أُلقي القبض على خالص سربست، وصدر حكم بسجنه 13 عامًا.
محاولة للعودة… وطعنة جديدة
عادت بيرجن إلى الغناء رغم الألم، وقدمت فيلمًا سينمائيًا، لكنها تعرضت عام 1986 لحادث اعتداء جديد، إذ طعنها مصور داخل نادٍ ليلي في مدينة أضنة.
وفي خطوة أثارت استغراب الوسط الفني، قررت عام 1988 التصالح مع زوجها والإفراج عنه، واعتزال الفن والعودة للعيش معه. لكن التجربة لم تستمر، فانفصلا في العام التالي.
الجريمة… نهاية حياة وصوت
لم يتقبل خالص قرارها بالابتعاد، وتربص لها في الشارع وهددها بالقتل إذا لم تعد إليه. وبإصرار ردت: «لن أعود». أطلق عليها النار لتسقط قتيلة على الفور، ثم أطلق النار على والدتها التي نجت جسديًا، لكنها لم تتعافَ نفسيًا.
تروي شقيقة بيرجن أن الأم عاشت بقية حياتها قرب قبر ابنتها، تزورها كل صباح وتصنع فنجانين من القهوة كما اعتادت، وتقول: «بيرجن تخاف من الوحدة، لن أتركها.»
الهروب… والتهديد من جديد
هرب القاتل إلى ألمانيا، حيث أُلقي القبض عليه، لكنه سُجن سبعة أشهر فقط. واستمر في تهديد أسرة بيرجن، مدعيًا أنه سيعتدي على قبرها، ما دفع والدتها لتغليف القبر بقفص حديدي وإغلاقه بستة أقفال.
وفي عام 2018، أُلقي القبض عليه مجددًا بتهمة اغتصاب أربعة أطفال.
فيلم يخلّد الأسطورة
في عام 2022، صدر فيلم “بيرجن” من بطولة فرح زينب عبد الله، والذي حقق أعلى إيرادات في تاريخ السينما التركية، متجاوزًا 100 مليون ليرة، ووصلت إيراداته إلى 159 مليون ليرة.
قصة بيرجن ليست مجرد مأساة فنية، بل صرخة في وجه العنف ضد النساء، وتجسيد مؤلم للمقولة:
«إعطاء فرصة ثانية أحيانًا يشبه إعطاء رصاصة إضافية… لأنه لم يُصِبك في المرة الأولى.»




