
لم يكن بشارة واكيم مجرد ممثل، بل كان روحًا مسرحية خالصة، يعيش على الخشبة ويتنفس بين كواليسها. في سنواته الأخيرة، اشتدت عليه الأمراض، وبدأ الشلل يتسلل إلى جسده، حتى باتت حركته ثقيلة وصوته مرهقًا. نصحه صديقه ورفيق دربه نجيب الريحاني قائلاً: “كفاية مجهود يا بشارة… ريّح في بيتك”، لكن بشارة، ذلك العاشق للمسرح، رد بإصرار: “همثل يعني همثل”.
أدرك الريحاني قيمة هذا الرجل ومكانته، فقرر أن يمنحه أدوارًا أصغر تحفظ له وجوده على المسرح دون أن ترهقه، وقال عبارته الشهيرة: “أنا أبقى مجرم لو ما عملتش كده!”. وبقيت الخطة ناجحة حتى رحل الريحاني في يونيو 1949، فاشتد الحزن على قلب بشارة، وزادت أمراضه، خاصة بعد أن ظل يسمع نصيحة الأطباء: “لا حركة، لا مجهود، ولا زعل”.
لكن البعد عن المسرح كان أقسى من المرض، فعاد إليه، إلا أن الجمهور لم يستقبله كما كان يتوقع؛ لم يعد التصفيق حاضرًا كما كان، ولا الضحكات تُستقبل كما اعتاد. شعر بجرح عميق حين رأى نظرات الشفقة تتسلل إلى العيون، وسأل نفسه بحرقة: “خلاص… بقيت زي خيل الحكومة؟”.
عاد إلى بيته مهزوم الروح، قبل أن يطرق بابه الفنان نعيم مصطفى، داعيًا إياه للانضمام إلى فرقته الجديدة. كانت تلك الدعوة بمثابة قبلة حياة، فأحس بشارة أن الدم يعود إلى عروقه، وبدأ يحلم بدور جديد في مسرحية “خطف مراتي”، وبطلة المسرحية كاميليا، وكأنه يستعيد شبابه من جديد.
وجاء يوم العرض، فدخل المسرح باسمًا، نابضًا بالحياة، وقد رأى اسمه مكتوبًا بخط عريض على باب المسرح، أكبر من اسم صاحب الفرقة ذاته. شعر وكأنه عاد ثلاثين عامًا إلى الوراء. لكن القدر كان له رأي آخر. ما إن بدأ العرض حتى اكتشف أن صوته لا يصل إلى الجمهور. ساد الصمت القاعة، وتعالت الأصوات: “الصوت يا أستاذ… مش سامعين!”. حاول أن يجاهد صوته، فلم يستطع. انهمرت دموعه رغمًا عنه، وغادر المسرح محطمًا.
سافر إلى السويس بأمر الأطباء، لكنه لم يحتمل الغياب، فعاد إلى القاهرة، ثم إلى شارع عماد الدين، حيث ذكرياته وأحلامه. وقف متكئًا على عصاه، يروي لابن أخته حكايات الأمجاد، ويحنّ إلى خشبة الريحاني. وحين دخل المسرح، ألقى بنفسه على الخشبة يهتف: “جايلك يا حبيبتي!”، كمن عاد إلى حضن العمر.
نُقل إلى المستشفى بعدما ازداد تشنجه، وهناك أسدل الستار على آخر فصول حياته، في 30 نوفمبر 1949، بعد خمسة أشهر فقط من رحيل صديقه الريحاني. مات بشارة، لكن روحه بقيت واقفة على خشبة المسرح.




