
ولدت الفنانة تحية الأنصاري لأب مصري وأم من أصول تركية، وكانت الخامس بين ثمانية أشقاء. منذ طفولتها، عاشتها تحية رحلة من المعاناة والصعوبات؛ فقد فقدت توأمها وهو في المهد، وتجربت معنى اليتم الحقيقي بعمر الثامنة بعد وفاة والدتها نتيجة نزيف حاد، ما ترك أثرًا بالغًا على شخصيتها المبكرة وجعلها تتسم بالقوة والصبر منذ الصغر.
رغم كل الصعوبات، بدأت ميول تحية الفنية في الظهور أثناء دراستها الثانوية، حيث كانت تنجذب إلى التمثيل والفن بشكل طبيعي. إلا أن شغفها اصطدم في البداية برفض العائلة لممارستها للتمثيل، خاصة في مجتمع كان ينظر إلى الفن بعين الريبة أحيانًا. لكن عزيمتها وإصرارها دفعا والدها إلى منحها دعمه، ليبدأ معها أول طريق نحو الاحتراف الفني، مؤمنة بموهبتها وطاقتها الإبداعية.
بدأت تحية مسيرتها المهنية بمشاركتها في مسلسل “الشهد والدموع”، والذي شكّل انطلاقتها الأولى على الشاشة، ثم توالت مشاركاتها في عدد محدود من الأعمال الفنية التي مهدت الطريق لتألقها الحقيقي. وكانت نقطة التحول في مسيرتها الفنية عندما حظيت بالدور البارز في مسلسل “عائلة شلش”، الذي كتب شهادة ميلادها الفنية وجعل اسمها معروفًا لدى الجمهور والنقاد على حد سواء. من خلال هذا العمل، استطاعت تحية أن تظهر موهبتها الفريدة في التمثيل، ممزوجة بالشخصية القوية والحضور اللافت، ما أكسبها محبة الجمهور ومكانة متميزة في الوسط الفني المصري.
لكن الحياة اختبرت تحية الأنصاري مرة أخرى، عندما اكتشفت إصابتها بالسرطان، ما دفعها إلى اتخاذ قرار صعب بالابتعاد عن الوسط الفني والتفرغ لمحاربة المرض. ومع ذلك، أثبتت تحية قوة إرادتها وعزيمتها، وتمكنت من تجاوز هذه المحنة الصعبة، لتعلن شفاءها بعد رحلة طويلة من العلاج والمعاناة. هذا الانتصار على السرطان جعلها نموذجًا للصلابة والإصرار، وألهم الكثيرين ممن يمرون بتجارب مشابهة.
ولكن القدر لم يرحم تحية لاحقًا، ففي عام 2005 تعرضت لذبحة صدرية مفاجئة، لتفارق الحياة عن عمر يناهز 43 عامًا، تاركة وراءها ذكريات جميلة ومسيرة فنية قصيرة لكنها مؤثرة. الغريب والمحزن في قصتها أنها نجت من السرطان الذي توقع الجميع أنه سيكون السبب في رحيلها، لكنها توفيت بسبب مرض غير متوقع، ما جعل وفاتها صدمة للجمهور وزملاء الوسط الفني على حد سواء.
رحلة تحية الأنصاري الفنية والحياتية تبرز كحكاية عن الشجاعة والقوة في مواجهة الصعاب، وعن الإصرار على تحقيق الأحلام رغم الظروف القاسية التي تواجه الإنسان منذ صغره. تركت تحية إرثًا فنيًا صغيرًا لكنه مؤثر، وبصمة لا تُنسى في ذاكرة الشاشة المصرية، لتظل قصتها مثالاً على التحدي، والإبداع، والصمود في مواجهة المصاعب، سواء في الحياة الشخصية أو المهنية.




