
التمثيل بالنسبة لزكي رستم لم يكن مجرد مهنة أو وسيلة للشهرة، بل كان قدرًا اختاره رغم كل ما خسره بسببه. كان من أسرة أرستقراطية عريقة، يعيش في قصر تزينه الألقاب والمكانة، لكن حبه للفن كان أقوى من كل القيود الطبقية. وحين قرر أن يصبح ممثلًا، كان يدرك أن هذا القرار سيكلفه غاليًا، وربما كل شيء.
وبالفعل، ما إن وطأت قدماه خشبة المسرح حتى انقلبت حياته رأسًا على عقب. عائلته نبذته، ووالدته أصيبت بالشلل من الصدمة بعد أن رأت ابنها الوحيد يمثل. خرج زكي من بيت العز إلى شقة صغيرة يعيش فيها وحيدًا، لا يؤنسه سوى أدواره، تلك التي منحها كل ما يملك من شغف وصدق ودموع. انغمس في التمثيل حتى نسي نفسه، ولم يفكر في الزواج أو تكوين أسرة، لأنه كان يشعر أن الفن هو عشقه الوحيد، ولأن الزواج في حياته سيكون لعنة أخرى تضاف إلى لعنات اختياراته.
في بداية الستينيات، بدأت الشائعات تتحدث عن اعتزاله. فواجهها بعنف، وقال لمحرر مجلة الكواكب:
“أنا لسه شباب، ولو ضربت واحد كف يموت! شايفني ماشي بعكاز؟ ولا مركب طقم سنان؟ قول للّي بيقولوا كده إنّي لسه زكي رستم بتاع زمان.”
لكن الواقع كان قاسيًا. عام 1963 أصيب زكي بضعف في السمع. زار أطباء كثيرين، تناول الأدوية بلا جدوى، إلى أن بدأ يسمعه يتلاشى تدريجيًا. رفض أن يستخدم سماعة، لأنها كانت كبيرة وواضحة، وكان يرى أن “وحش الشاشة” لا يمكن أن يُظهر ضعفًا أمام أحد. فاختار الصمت والعزلة.
قضى ثلاث سنوات في بيته وحيدًا، لا يرافقه سوى كلبه العجوز وكتبه، كما وصفته الكواكب وقتها. حتى جاءه المخرج الكبير بركات بفيلم الحرام. تردد زكي، ثم وافق بعد أن ابتكر حيلة بسيطة؛ كان يقرأ حركة الشفاه ليعرف متى يتحدث. نجح الفيلم نجاحًا كبيرًا، فعاد إليه الأمل، وقَبِل بعدها المشاركة في إجازة صيف.
لكن أثناء التصوير، واجه الحقيقة القاسية: لم يعد يسمع شيئًا تقريبًا. وفي أحد المشاهد داخل قهوة مزدحمة، حاول مجتهدًا متابعة الحوار، لكنه أخطأ في التوقيت، فتعالت ضحكات العمال، وظهر الغضب على وجه المخرج. شعر زكي بالإهانة، لم يتحمل أن يكون موضع سخرية في مكان كان فيه سيد الأداء.
عاد إلى بيته تلك الليلة، وأغلق الباب على نفسه، وبكى كما لم يفعل من قبل. ثم كتب في مذكرته جملة واحدة كانت إعلان النهاية:
“لن أسمح لأحد أن يراني ضعيفًا، حتى لو كان الفن نفسه.”
ومنذ ذلك اليوم، اعتزل زكي رستم السينما، واختار أن يعيش بصمته وكرامته حتى رحل عام 1972، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا خالدًا ومشهدًا أخيرًا لم يُعرض على الشاشة، لكنه محفور في ذاكرة كل من عرف قيمته.




