

في قلب القاهرة، وتحديدًا في حارة قديمة بمصر القديمة، وقعت واحدة من أبشع الجرائم التي هزت الوسط الفني والمجتمع المصري عام 2004، حين فقدت مصر أحد أعظم نحاتيها، الفنان التشكيلي الكبير عبد البديع عبد الحي، عن عمر ناهز التسعين عامًا، في حادث مأساوي جمع بين الطمع البشري والفن الخالد.
عبد البديع، الذي بدأ حياته الفنية منذ صغره في بيت هدى شعراوي، رائدة الحركة النسائية، حيث اكتشفت موهبته الفذة وشجعته على دخول كلية الفنون الجميلة، أصبح فيما بعد علامة بارزة في عالم النحت المصري. طوال حياته، كان يحول أصعب أنواع الحجر إلى تماثيل نابضة بالحياة، وكأن يده تنبض بالروح نفسها التي يريد أن يمنحها لأعماله. لقد كرّمه المجتمع مرارًا وحصل على وسام الجمهورية تقديرًا لإبداعه، وعاش معظم حياته في ورشته الصغيرة في بيت قديم بحي ضيق، محاطًا بتماثيله التي صارت بمثابة متحف شخصي يعيش فيه كل يوم بين أعماله.
في صباح 5 يوليو 2004، لاحظ الجيران شيئًا غريبًا في البيت، إذ كان الباب مغلقًا والهدوء يخيم على المكان بشكل غير طبيعي. وعلى الفور، أبلغوا الشرطة، التي عند دخولها صدمت بما وجدت: عبد البديع ملقى على سريره، محاط بدمه، الغرفة مقلوبة، والدواليب مفتوحة، والتماثيل واقفة ساكتة، كأنها شاهدة صامتة على الجريمة. فوق السرير كان يتدلى حبل، الذي كان يستخدمه الفنان لمساعدته على القيام من على سريره بسبب تقدمه في السن، وتبين أن الضربة الأولى قد نُفذت بواسطة طعنات متعددة في صدره.
بدأت التحريات فورًا في الحارة التي يعرف أهلها بعضهم جيدًا، ووقع الشك على شباب من المنطقة، خاصة أولئك المعروفين بتجارة الخردة، وهم ياسر وكريم، إخوة سبق لهم الخروج من السجن. وبعد القبض عليهم، انهاروا واعترفوا بالجريمة في أول دقائق التحقيق، مؤكدين أنهم قصدوا السرقة فقط، معتقدين أن الفنان المسن لن يقاومهم، لكن عبد البديع قاوم، فخافوا وطعنوه عدة طعنات، ثم سرقوا منه مبلغًا ضئيلًا قدره 63 جنيهًا فقط.
خلال إعادة تمثيل الجريمة، حدثت واقعة غريبة أثارت الذهول: أثناء محاولة كريم توضيح كيفية ارتكاب الجريمة باستخدام الحبل نفسه، انقلب الحبل حول رقبته، ما أدى إلى حادثة محيرة أمام وكيل النيابة، الذي وصفها بأنها “علامة من السماء”.
في عام 2005، صدر حكم الإعدام على ياسر وكريم، ونفذ الحكم في نفس السنة، لتسدل الستارة على أحد أكثر الجرائم مأساوية في تاريخ القاهرة، لكن مفارقة المأساة لم تنتهِ هنا؛ ففي عام 2010، بيعت إحدى تماثيل عبد البديع في مزاد بلندن بمبلغ 3.5 مليون جنيه، لتظل حقيقة مقتل الفنان صادمة، فقد قُتل مقابل مبلغ زهيد، بينما أعماله الفنية بلغت قيمتها ملايين.
هكذا ترك عبد البديع عبد الحي إرثًا فنيًا خالدًا، ليصبح رمزًا للصبر والإبداع، ودرسًا صادمًا عن الطمع البشري الذي يمكن أن يحطم حياة أعظم الفنانين، مع أن أعماله لا تزال تتحدث عنه وتخلد اسمه في التاريخ الفني المصري.




