
في سجل الإبداع المصري، تبرز الشاعرة نبيلة قنديل بوصفها واحدة من أهم الأقلام النسائية التي منحت الأغنية المصرية روحها العذبة في النصف الأول من القرن العشرين. كانت زوجة الموسيقار الراحل علي إسماعيل، ورفيقة مشواره الفني، وواحدة من أكثر الأصوات صدقاً وقدرة على ملامسة الوجدان. وبرغم أن حضور المرأة في ساحة كتابة الأغنية كان خافتاً آنذاك، فإن نبيلة قنديل استطاعت أن تشق طريقها بثبات، حتى أصبحت صاحبة أشهر أغنيات رمضان وأكثرها رسوخاً في ذاكرة المستمع العربي.
بدأت رحلتها الفنية على نحو جريء؛ إذ دخلت المجال كـ منولوجست تحت الاسم المستعار “سعاد وجدي” خشية اعتراض أسرتها، وقدمت عدداً كبيراً من المنولوجات التي حملت روح العصر بخفته وسخريته، مثل: “خير البر عاجله”، “زوغان”، “الحب داريه”، “من أين لك هذا”، “ذهب مع الريح”، “كنت وكنا”، “بريه من الناس” وغيرها. شكّل هذا الانفتاح الأول عالماً درامياً واسعاً مكّنها لاحقاً من صياغة أغنيات تتسلل بسهولة إلى القلب.
لكن ذروة حضورها جاءت مع الأغنية الرمضانية، حيث صاغت نبيلة قنديل الكلمات التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من طقوس الشهر الكريم. فقد غنّى لها الثلاثي المرح أشهر أغاني رمضان: “سبحة رمضان” و “أهه جه يا ولاد” من ألحان زوجها علي إسماعيل، بينما قدّم لها الفنان محمد فوزي واحدة من أكثر الأغنيات احتفاءً ببهجة الشهر: “هاتوا الفوانيس”.
ولم يتوقف عطاؤها عند حدود الاحتفاليات الموسمية، بل امتد ليشمل الأغنية الوطنية في لحظات فارقة من تاريخ مصر. فقد كتبت النشيد الذي ردّده الشعب في زمن الصمود: “رايحين شايلين في إيدنا سلاح” إبّان حرب أكتوبر، ووقفت خلف واحدة من أكثر الأغنيات الوطنية تأثيراً: “أم البطل” التي غنتها شريفة فاضل وبقيت علامة بارزة في الوجدان المصري.
كما كانت أعمالها جزءاً أصيلاً من مشروع فرقة رضا للفنون الشعبية، إذ كتبت أغنيات حملت روح البهجة المصرية مثل: “حلاوة شمسنا” و “ياللا ياللا عندنا رحلة”. وقدمت أيضاً نصوصاً خالدة ضمن الأعمال الغنائية والسينمائية، منها:
“رايحة فين يا عروسة يا أم توب أخضر” لشادية،
“الأرض لو عطشانة” في فيلم يوسف شاهين “الأرض”,
“يا طالع الشجرة” لمحمد فوزي،
“أبو عيالي” لفايزة أحمد،
وأغنية “حتشبسوت” بصوت محمد العزبي في فيلم “غرام في الكرنك”.
تجربة نبيلة قنديل الثرية جعلتها تتربع على عرش الكتابة النسائية للأغنية في فترة ازدهارها الستيني. لم يكن تميزها قائماً على غزارة الإنتاج، ولا على منافسة الشاعرات الأخريات أو الشعراء الرجال، بل على قدرتها الفريدة في التقاط الفكرة البسيطة وتحويلها إلى عمل فني محكم، وعلى اختيار كلمات تمنح المستمع إحساساً آنيّاً بالدفيء والبهجة والانتماء. كانت تمتلك موهبة صياغة الأغنية التي تُغنّى في المناسبات الكبرى التي يجتمع عليها الناس: رمضان، الاحتفال بالنصر، الفنون الشعبية، والمشاهد السينمائية العالقة في الذاكرة.
ورغم رحيلها في 14 يناير 1988، فإن صوتها ما يزال حاضراً في شوارع المسحراتي، وفي زينة الفوانيس، وفي ذاكرة جيل تربّى على أغنيات صنعَت الضحكة والحنين في ليالي القاهرة. لقد كانت نبيلة قنديل أكثر من شاعرة؛ كانت روحاً موسيقية تلامس الجوهر الشعبي للأغنية المصرية وتمنحها حياة لا تزول.



