توب ستوريخدمي

السر الخفي وراء اعتزال مريم فخر الدين بعد “الأيدي الناعمة”

في عام 1963، وبينما كانت مريم فخر الدين تُصوّر مشهدها الأخير في فيلم “الأيدي الناعمة”، فاجأت فريق العمل بقرارٍ لم يتوقعه أحد: اعتزال التمثيل نهائيًا. كان الجميع مذهولًا، فمريم كانت آنذاك في قمة مجدها الفني، إحدى أبرز نجمات السينما المصرية وأكثرهن حضورًا ورقة. تساءل الجميع عن السبب، لكنها اكتفت بعبارة واحدة تكرّرت على لسانها:
“لا أريد أن أخطئ مثل من سبقوني، أريد أن أعتزل وأنا في أوج مجدي، لتبقى صورتي الجميلة في ذاكرة الجمهور.”

رغم محاولات الكثيرين ثنيها عن قرارها، وعلى رأسهم الفنان أحمد مظهر وعدد من صديقاتها الفنانات، ظلّت مريم ثابتة على موقفها. لكنها بعد فترة قصيرة، أضافت سببًا آخر أكثر منطقية — كما قالت — وهو رغبتها في التفرغ لزوجها الطبيب محمد الطويل وبيتها، بعد أن “شَبِعت من حياة الأضواء”. بدا هذا السبب مقنعًا ظاهريًا، غير أن الحقيقة كانت أعمق وأقسى مما تخيّل أحد.

السر الذي أخفته مريم لسنوات

لم تُفصح مريم فخر الدين عن السبب الحقيقي وراء اعتزالها إلا لزوجها محمد الطويل، يوم استعداده للسفر إلى أوروبا لاستكمال دراسته. حينها فقط صارحته بأن سمعها بدأ يضعف بشكل خطير، وأنها أصبحت تواجه مواقف محرجة أثناء التصوير بسبب عدم سماعها الجيد للحوار أو توجيهات المخرج. قالت له بصوت متهدج: “لم أعد أسمع كما كنت، وخفت أن أُضحك الناس بدلًا من أن أُبكيهم.”

السبب الطبي هذا لم يكن جديدًا، فقد بدأت معاناتها قبل سنوات، لكنها كانت تخفيها حرصًا على صورتها أمام الجمهور. وأوضحت لزوجها أن أصل المشكلة يعود إلى حادثة قديمة أثناء زواجها من المخرج محمود ذو الفقار، حينما نشبت بينهما مشادة عنيفة، انتهت بصفعة قوية على أذنها اليسرى، سبّبت لها ألمًا مبرحًا وأثّرت في سمعها تدريجيًا.

ألم صامت ومعاناة متزايدة

مع مرور الوقت، ازداد ضعف السمع، وبدأت مريم تستيقظ ليلاً من شدة الألم والصداع. كانت تجري تجارب بسيطة مع شقيقها يوسف فخر الدين لتختبر مدى قدرتها على السماع، فتطلب منه أن يجلس على مسافة قريبة ويتحدث، لتكتشف أن قدرتها تتراجع يومًا بعد يوم.

طرقت أبواب عشرات الأطباء في القاهرة، وكل واحد منهم وصف لها علاجًا مختلفًا، لكن حالتها لم تتحسن. إلى أن دلّها أحد معارفها على بروفيسور أجنبي زائر لمصر لفترة قصيرة، فذهبت إليه، وبعد الفحص نصحها بالسفر إلى لندن فورًا، إذ قال لها إن التأخر في العلاج قد يؤدي إلى فقدان السمع بالكامل.

رحلة العلاج والاعتزال الصامت

قررت مريم أن تسافر للعلاج، خاصة وأن زوجها كان سيتوجه أيضًا إلى أوروبا للدراسة، فوجدت في ذلك فرصة مناسبة لترافقه. لكن قبل السفر، أعلنت رسميًا اعتزالها التمثيل، مبررةً الأمر بالرغبة في حياة هادئة بعيدة عن الشهرة. سافرت إلى لندن، وهناك خضعت لعلاج استمر لأربع سنوات كاملة.

قالت لاحقًا في حوار لمجلة الموعد إن الأطباء أخبروها أنها لو تأخرت في المجيء لبضعة أشهر فقط، كانت ستفقد حاسة السمع نهائيًا. وبعد رحلة طويلة من الألم والأمل، تعافت مريم جزئيًا، واستعادت قدرتها على السمع بنسبة كبيرة.

عودة الحنين إلى الكاميرا

بعد انتهاء فترة علاجها وعودة زوجها إلى مصر، استقرت حياتهما وابتعدت مريم عن الأضواء تمامًا. لكن شقيقها يوسف فخر الدين لاحظ شيئًا غريبًا: كلما تحدّث أمامها عن السينما أو الأفلام الجديدة، كانت عيناها تلمعان. وبعد فترة، همست له يومًا قائلة: “يوسف… وحشتني الكاميرا.”

لم يضِع يوسف وقتًا، فنقل كلماتها للمنتجين قائلاً: “الحقوها قبل ما تغيّر رأيها!”، لتنهال عليها العروض الفنية. وفي عام 1968 عادت مريم فخر الدين إلى الشاشة بأربعة أفلام دفعة واحدة: “أين حبي” و”فرسان الغرام” و”لقاء الغرباء” و”الصعاليك”. كانت تلك العودة بمثابة ولادة جديدة لفنانة ظنّ الجميع أنها اختفت إلى الأبد.

وهكذا، كانت قصة اعتزال مريم فخر الدين مزيجًا من الكبرياء والوجع، بين فنانة أرادت أن تحتفظ بجمال صورتها في أعين الجمهور، وإنسانة عانت بصمت من ألم خفيّ لم تُفصح عنه إلا في اللحظة الأخيرة. اعتزلت لأنها خافت أن يخذلها جسدها أمام الكاميرا، ثم عادت لأنها لم تستطع أن تخذل قلبها الذي وُلد ليعشق الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى