

تاريخ السينما المصرية حافل بالأفلام التي واجهت عقبات في طريقها إلى الشاشة، غير أنّ قليلًا منها اكتسب هالة من الغموض مثل فيلم «الراهب»، ذلك العمل الذي تبدّل أبطاله وتغيّرت رؤى صُنّاعه، لكنه ظلّ في النهاية حبيس الأدراج، لم يرَ النور قط. تبدأ حكاية الفيلم الأولى في أوائل السبعينيات، حين كان الفنان رشدي أباظة والنجمة هند رستم يستعدّان لتجسيد بطولته تحت قيادة المخرج الكبير حسن الإمام. ورغم الحضور الطاغي لهؤلاء الثلاثة في السينما المصرية، فإن المشروع اصطدم بقرار سيادي حاسم أوقفه تماماً.
ففي عام 1972، صدر قرار من الرئيس المصري الراحل أنور السادات بإيقاف تصوير الفيلم فوراً، ووفق ما نُشر في عدد من التقارير الصحفية، فقد هدّد السادات بطرد رشدي أباظة والمخرج حسن الإمام من مصر إذا استمرّا في العمل عليه. ورغم تباين الروايات حول السبب الحقيقي لهذا القرار، فإن المصادر لم تقدّم تفسيراً كاملاً، ما أضفى على الفيلم مسحة من الغموض والإثارة، خاصة أنه كان يحمل موضوعاً حسّاساً في نظر الدولة آنذاك. وهكذا توقّف المشروع بالكامل، وطواه النسيان قبل أن يكتمل التصوير أو تخرج منه أي نسخة أولية.
وبعد مرور عقود، عاد عنوان «الراهب» ليظهر مجدداً، لكن بثوب جديد وطاقم مختلف ورؤية فنية أكثر جرأة. فقد أعلن في منتصف العقد الأول من الألفية عن مشروع فيلم آخر يحمل الاسم نفسه، بطولة الفنان هاني سلامة، وبمشاركة كوكبة بارزة تضم جمال سليمان وعمر الشريف وصبا مبارك. تولّت إخراجه المخرجة هالة خليل، بينما كتب السيناريو والحوار له الطبيب والشاعر والكاتب المعروف مدحت العدل.
تمحورت الفكرة الجديدة حول التكوين النفسي لراهب مسيحي يعيش صراعاً داخلياً عميقاً، تتقاطع فيه الأسئلة الإنسانية الكبرى مع التأملات الروحية حول الوجود الإلهي. يدور الفيلم — بحسب رؤية مدحت العدل — حول حوار فلسفي بين راهب يمرّ بأزمة إيمان، وموظفة بسيطة تبحث هي الأخرى عن معنى لحياتها. كان العمل يسعى إلى تقديم معالجة مختلفة للروحانيات، تعتمد على التفكر والتساؤل، بعيداً عن الصور النمطية المعتادة للرموز الدينية في السينما.
غير أنّ هذا المشروع، شأنه شأن سابقه، لم يُكتب له أن يصل إلى الجمهور. إذ كشف مدحت العدل في تصريحات إعلامية أنّ الرقابة الرسمية اعترضت على السيناريو، معتبرة أن طبيعة النقاشات التي يطرحها تتجاوز الخطوط المقبولة. ولم تكتفِ الرقابة بالتحفّظ على المحتوى، بل انضمّت إليها الأديرة القبطية التي رفضت بدورها تقديم أي دعم أو إذن يسهّل تصوير مشاهد تخص الحياة الرهبانية، وهو ما شكّل عائقاً عملياً أمام استمرار المشروع.
وبين ضغوط الرقابة ورفض المؤسسات الدينية، تجمّد العمل تدريجياً، حتى أعلن عن تأجيله ثم توقفه تماماً. ومع مرور السنوات، أصبح «الراهب» بفكرتيه — القديمة والجديدة — مثالاً لعمل فني ظل حبيس الرؤى والطموحات، لم يصل إلى الجمهور رغم ما حمله من إمكانات فنية كبيرة وأسئلة إنسانية شائكة.
وهكذا بقي «الراهب» عملاً غير مكتمل، يتنقل بين حقبتين ونجوم مختلفين، في قصة تكشف كيف يمكن للحساسيات السياسية والدينية أن تحجب مشروعاً سينمائياً مهما كانت قيمته الفنية أو جرأته الفكرية.




