

أكّد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن مفهوم الحق في جوهره ثابت لا يتغير ولا يتبدل، مشيراً إلى أن الحق مطلق مرتبط بالثبات، بخلاف الحقيقة التي تتأثر بتغير الزمان والمكان والأحوال.
وجاءت تصريحات الدكتور جمعة عبر صفحته الرسمية على موقع «فيس بوك»، حيث قدّم توضيحاً موسعاً حول الفرق بين الحق والحقيقة، مستشهداً بدلالات اللغة والنصوص الشرعية.
وأوضح جمعة أن اسم الله تعالى «الحق» يجسّد هذا المعنى، فهو اسم يدل على الثبات والكمال المطلق، بينما الحقيقة نسبية؛ تتغيّر وفق ظروف الأشخاص والمجتمعات والأزمان. وقال إن الحق لا يعرف التحوّل، لأنه قائم على الثبات الإلهي في الحكم والعدل والقدرة، وهو ما يميز الحق عن الحقيقة، التي قد تختلف باختلاف منظور كل فرد أو بيئة أو عصر.
وأشار مفتي الجمهورية السابق إلى أن الحق مفهوم جامع لكل ما يتصل بالخير، ومنافٍ بطبيعته لكل أشكال الشر والباطل، موضحاً أن هذا المعنى رسّخه القرآن الكريم في العديد من المواضع، ومنها قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، في إشارة إلى وجود طريقين للإنسان أحدهما للخير والآخر للشر، وأن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الطريق المستقيم ويحب فعل الخير، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وتابع جمعة أن إقامة الحق تقتضي العدل والمساواة والحكم بين الناس بالإنصاف والرفق، وهي صفات يختص بها الله عز وجل، فهو العدل واللطيف والخبير والقادر على كل شيء، وكل ذلك ينسجم مع اسمه «الحق» الذي يجمع صفات الكمال الإلهي. وأشار إلى أن أهل الله وأصحاب الذكر يكثرون من ذكر هذا الاسم لما له من أثر روحي عميق وأنوار تملأ القلوب وتبعث فيها الطمأنينة.
كما أوضح الدكتور علي جمعة أن بعض الذاكرين يفضّلون الجمع بين اسم «الحق» وصفة «المبين»، فيقولون «الحق المبين»، مؤكداً أن ذلك جائز شرعاً، باعتبار أن «المبين» من الصفات التي وصف الله بها نفسه في القرآن.
فهو سبحانه يبين لعباده أمور دينهم، ويكشف لهم أسرار الكون، ويحكم بينهم يوم القيامة بالحق والعدل، وهو ما يعكس اكتمال دلالة هذا الاسم في تجليات الحق الإلهي.
وشدّد جمعة في ختام حديثه على ضرورة إدراك الفرق بين الحق الثابت والحقيقة المتغيّرة، لأن هذا الفهم يرسّخ البصيرة ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين المطلق والنسبي، وبين ما يجب الالتزام به وما يمكن تغيّره بتغير الظروف الإنسانية عبر العصور.




