
في عالم الفن والرقص، قليلون هم من يملكون القدرة على تحويل المعاناة إلى نجاح باهر، وناهد صبري واحدة من هؤلاء. اكتشفها المخرج حسين فوزي بعد أن قرأت إعلانًا في إحدى المجلات يطلب وجوهًا جديدة للسينما. دون تردد، تقدمت ناهد وشقيقتها، ونشرتا صورهما في المجلة، لكن شقيقهما شعر بالغضب الشديد، وحضر إلى القاهرة لإجبارهما على العودة معه بالقوة.
حين شعرت ناهد أن حلمها سينهار، حاولت الانتحار، لكن العناية الإلهية أنقذتها، بينما أُجبرت شقيقتها على الزواج من أحد المزارعين. أما ناهد، فقد تمكنت من الهروب مرة ثانية، هذه المرة دون شقيقتها، وشرعت في متابعة حلمها بلا توقف. درست الباليه على يد الفنانة اليونانية نيللي مظلوم، ثم برزت في الستينيات من القرن العشرين، حيث انبهرت بأسلوب رقص تحية كاريوكا وسامية جمال، وحفظت رقصاتهما لتتقنه لاحقًا وتضيف إليه لمستها الخاصة.
في حوار نادر لها، انتقدت ناهد صبري الرقص الشرقي في زمنها، معتبرة أن كثير من الراقصات جاهلات بمهنة الفن الحقيقي. وقالت: “شاهدت بقرة ترقص ووزنها أكثر من مائة كيلو جرام، وراقصة أخرى تؤدي رقصها بالبنطلون، وهذا غير معقول”. وأوضحت أن نجوى فؤاد، رغم موهبتها، لم تحافظ على البرستيج، وابتكرت زيًا جديدًا بالبنطلون اعتبرته ناهد غير لائق.
الأزمة الأكبر كانت مع موسيقى عرضها الشهير “خان الخليلي”، والتي ألّفها لها الموسيقي علي إسماعيل. بحسب ناهد، سرقت نجوى فؤاد هذه الموسيقى وراقصت عليها، مما جعل ناهد تشعر بالخذلان من زميلة محترفة كان من المفترض أن تساهم معها في رفع فن الرقص الشرقي. ولم يكن هذا الخلاف وحده ما شكل تحديًا أمامها، بل كانت محاربة أجل الموهبة والتقاليد المجتمعية جزءًا من معركة ناهد اليومية من أجل الفن والحرية الشخصية.
بعد سنوات من النجاح، سافرت ناهد صبري إلى الولايات المتحدة، حيث أسست مدرسة للرقص وواصلت تعليم فن الرقص الشرقي، محققة انتشارًا واسعًا بين محبي الفن. لكنها عادت إلى مصر لاحقًا، وارتدت الحجاب، واعتزلت الفن رسميًا في عام 1987 بعد أداء فريضة الحج، لتغلق بذلك مرحلة طويلة من حياتها المهنية.
قليلون يعرفون أن ناهد صبري، قبل وفاتها، امتنعت عن استقبال أي أفراد من عائلتها. قالت ابنة شقيقتها: “خالتي كانت تستقبلنا أنا وأسرتي منذ فترة طويلة، لكنها فجأة امتنعت عن استقبال أي شخص من العائلة، ولم نعرف السبب”. هكذا، اختتمت ناهد صبري رحلة حياتها بين الحب للفن، الصراعات العائلية، والاعتزاز بكرامتها، تاركة إرثًا فنيًا غنيًا وذكرى لا تُنسى لعشاق الرقص الشرقي والفن الجميل.




