
في خريف عام 1953، كانت مصر تعيش واحدة من أكثر سنواتها اضطراباً بعد قيام حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو 1952. فبينما كان المشهد السياسي يموج بعمليات إعادة الهيكلة والصراع على السلطة، اتخذت الدولة قراراً حاسماً بملاحقة حركة «حدتو» الشيوعية، التي كانت ذات نفوذ ملحوظ بين المثقفين والعمال وبعض الفنانين. وفي الخامس من نوفمبر من ذلك العام صدر قرار باعتقال جميع المنتمين للحركة والمتعاطفين معها. وسط تلك العاصفة وجدت الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا نفسها في قلب الأزمة، لتتحول من نجمة لامعة على الشاشة إلى سجينة تواجه تهمة «الترويج لمبادئ هدامة».
كانت كاريوكا، واسمها الحقيقي بدوية محمد كريم، في تلك الفترة متزوجة عرفياً من الضابط السابق اليوزباشي مصطفى كمال صدقي. ومع انتشار أنباء الملاحقات الأمنية، لجأ الكاتب اليساري صلاح حافظ إلى منزلها للاختباء، قبل أن يغادر سريعاً ليستكمل هروبه في منزل صديقه الروائي يوسف إدريس. لكن وجوده السابق في منزلها كان كافياً لتوجيه أصابع الاتهام إليها.
داهمت الشرطة منزل تحية كاريوكا، وجرى القبض عليها وعلى زوجها، وتمّ العثور، بحسب تقارير الصحف آنذاك، على منشورات سياسية وكتب تُصنّف بأنها «معادية للنظام». المفارقة أنهم صادروها بالرغم من أنها كانت في ذروة شهرتها، وكانت كذلك من الفنانين الذين شاركوا في قطار الرحمة، المبادرة الإنسانية التي دعا إليها الرئيس اللواء محمد نجيب لجمع التبرعات لتسليح الجيش.
وفيما كانت كاريوكا تقضي أيامها خلف القضبان في سجن مصر، في انتظار محاكمتها ضمن القضية رقم 1519 أمن دولة، كانت صورها تتصدر إعلانات فيلمها الجديد «حميدو» المنشورة في الصحف، وكأن الواقع والسجن والفن والنجومية اختلطت جميعاً في مشهد سريالي يصعب تكراره.
بدأت التحقيقات، وامتدت شهوراً بين جلسات الاستجواب والمرافعات. أكد زوجها في أقواله أنّ تحية كاريوكا لا علاقة لها بالمنشورات المصادَرة، وأنها تخصه وحده. وبعد ما يقارب مائة يوم في السجن، أصدرت المحكمة العسكرية برئاسة القاضي نعيم هندي حكماً ببراءتها في 10 فبراير 1954. في اليوم التالي، نشرت صحيفة «الأهرام» صورتها الشهيرة خلف القضبان، ترتدي نظارتها المعروفة، وعلى وجهها ابتسامة امرأة خرجت من المعركة كما دخلتها: مرفوعة الرأس.
لكن حكاية كاريوكا لم تكن وحدها الحدث الأغرب في تلك الفترة. فبعد أيام من اعتقالها، وقع المخرج الكبير حلمي رفلة، أحد أبرز صُنّاع السينما المصرية منذ الأربعينيات، في فخ لا يخطر على بال.
كانت كاريوكا قد أصيبت بوعكة صحية داخل السجن، فنُقلت إلى مستشفى السجن. وما إن علم رفلة بالأمر حتى توجه لزيارتها، بصحبة طبالها «سيد كراوية»، وزوجة الأخير، وخادمتها «زينب الحلفاوي». غير أنهم حين وصلوا وجدوا حراسة مشددة تمنعهم من زيارتها، فوقفوا أمام نافذة غرفتها المطلة على شارع جانبي، وتحدثوا إليها من خلف السور.
رفع حلمي رفلة صوته قائلاً:
“عايزة حاجة يا تحية؟”
فجاء ردّها العفوي:
“نفسي في طعمية.”
كانت جملة بسيطة وطريفة، لكنها تحولت في غضون ساعات إلى تهمة! فقد ظن المسؤولون أن كلمة «طعمية» ليست سوى شفرة سياسية تستخدمها الراقصة المعتقلة للتواصل مع الخارج. هكذا جرى القبض على رفلة ومرافقيه فوراً، واحتُجزوا بتهمة «الاتصال بسجينة دون تصريح وبطرق احتيالية».
تحوّلت الحكاية إلى مادة للتندر في الصحف، لكن المحاكمة كانت جادة. وفي 11 نوفمبر 1954 نشرت صحيفة الأهرام حكماً صادراً عن المحكمة العسكرية يقضي بتغريم كل منهم مائة قرش فقط، لعدم توافر القصد الجنائي. ومع ذلك فقد أمضى رفلة أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة بين اللصوص والمجرمين، وهي تجربة لم تغادر ذاكرته.
غير أن القدر كان يخبئ له ما هو أقسى. ففي مطلع الستينيات، وخلال موجة التأميم الاشتراكي، صودرت شركته الخاصة لإنتاج الأفلام، المصدر الحقيقي لثروته ومكانته الفنية. تم تعيينه موظفاً في إحدى شركات السينما الحكومية براتب هزيل، لتبدأ مرحلة صعبة انتهت بانتقاله للعيش وحيداً في شقة صغيرة برمسيس بعد سفر أسرته إلى كندا. لقد كانت تلك الضربة أشد وطأة عليه من يوم دخوله السجن.
تبقى حكاية اعتقال تحية كاريوكا وحلمي رفلة واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ العلاقة المعقدة بين الفن والسياسة في مصر منتصف القرن العشرين، حين كان قرار اعتقال فنانة كبيرة أو مخرج شهير قد يبدأ بشبهة منشور… أو حتى بطلب «طعمية».




