توب ستوريخدمي

الفيلم الممنوع الذي أغضب الرقابة والمجتمع

في عام 1962، أثار فيلم إسماعيل ياسين جدلاً واسعًا لم يمضِ عليه سوى أيام قليلة، إذ أصدرت لجنة تصدير الأفلام العربية للخارج برئاسة محمد علي ناصف، مدير رقابة السينما، قرارًا بمنع تصدير الفيلم خارج مصر. جاء هذا القرار بعد أن رآه البعض “فيلمًا هزيلًا وتافهًا، مبتذلًا، ينحط بالقيم، يصور رجال الدين بأبشع صورة ممكنة، ويسيء إلى الصحافة”، حسب تصريحات ناصف.

 

تفاجأ الجميع بهذا القرار، لا سيما أن الرقابة كانت قد وافقت مسبقًا على سيناريو الفيلم وحواره قبل التصوير. وسُئل ناصف عن سبب ذلك، فرد قائلاً: “لقد وافقنا على السيناريو، وهذا حقنا. نحن نضطر أحيانًا للموافقة على سيناريوهات قد لا تتجاوز صلاحيتها 30% فيلمًا جيدًا. والمخرج المتمكن هو من يستطيع رفع جودة السيناريو عند التنفيذ. إذا أضاع المخرج جودة النص، فليس للرقابة ذنب في ذلك.” وأضاف ناصف أن فيلم “الفرسان الثلاثة” قد ضاعت معالم شخصياته وأسماؤه بشكل لا يمكن قبوله، مؤكداً أن الخطأ كان في تنفيذ المخرج للفيلم وليس في السيناريو نفسه.

 

وأوضح ناصف أن الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم، إسماعيل ياسين وعبدالسلام النابلسي، قدمتا صورة مشوهة للمجتمع: الأول نصاب يستخدم الصحافة ستارًا لابتزاز الأموال، والثاني شيخ معمم يستغل الدين للدجل والنصب. وأضاف ناصف: “هما يظهران طول الفيلم ممسكين بالسبح الطويلة ويتغلظان بالآيات القرآنية، ولو أراد المخرج تعديل الفيلم لتطلب ذلك إعادة تصوير جميع مشاهده.”

 

عند صدور القرار، ذهب أبو السعود الإبياري، مؤلف الفيلم، إلى ناصف ليسأله عن سبب المنع، وقال له: “انت صرحت بالسيناريو، فكيف تعترض الآن على الفيلم؟” فأجابه ناصف: “هل شاهدت الفيلم بعد تصويره؟” وعندما اعترف الإبياري بعدم مشاهدته، نصحه ناصف بمراجعة الفيلم، مؤكدًا أن السيناريو شيء والفيلم شيء آخر.

 

من جانبه، قال المخرج فطين عبدالوهاب إن الفيلم مأخوذ عن مسرحية إسماعيل ياسين الشهيرة “ضميري واخد إجازة”، وأن الرقابة كانت على علم بها، وأضاف: “ربما تراجعوا بعد مشاهدة الفيلم وأدركوا أنهم تورطوا به.” بينما أكد المنتج السعيد صادق أن السبح المستخدمة في الفيلم عادة قديمة وليست رمزية دينية، وأن الفيلم لم يخرج عن نص المسرحية والسيناريو الذي وافقت عليه الرقابة.

 

كان هذا القرار بمثابة صفعة للمخرجين والمنتجين والفنانين، وأثار جدلاً حول دور الرقابة، حرية الإبداع، وحساسية المجتمع تجاه الدين والصحافة، ليبقى فيلم إسماعيل ياسين الممنوع من العرض علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، مثالًا على الصراع بين النص المكتوب والتنفيذ السينمائي، وقوة الرقابة في تشكيل محتوى الفن وتأثيره على المجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى